فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 239

والوصف دال على أحوال الدهشة التي أصابت رفاعة عندما دخل إلى قاعات المرايا للمرة الأولى, فأصبح هو الناظر والمنظور إليه, الأمر الذي يستدعي رمزية المرآة في العملية التي تتيح للأنا أن تتعرف على حضورها, بأن تنقسم على نفسها لتغدو موضوعا للتأمل وفاعلا له. ويحدث ذلك في منحى دلالي شبيه بذلك المنحى الذي أتاح لرفاعة أن يرى عدة صور له في المرآة, جنبا إلى جنب تعدد صور الناس الذي دفعه إلى الظن أن القهوة طريق. وتعدد صور الأنا في المرآة علامة على إمكان اتساع أفقها الذي يحيل الوعي المفرد إلى جمع بالتجارب التي يكتسبها, ويحيل العقل الواحد إلى عقول متكثرة باغتناء هذا العقل بثمرات العقول المغايرة. ولا يخلو هذا التعدد من دلالة ممتدة, تصل بين معني الاتساع بالأنا والقدرة على النظر إليها بما يجعل منها موضوعا للمساءلة أو النقد في الوقت نفسه. وفي ذلك كله يتحول حضور المرآة من حضور موضوع جذّاب تحدّق فيه العين, وتنبهر به, إلى حضور تمثيلي يجعل من مشاهد رفاعة لصوره في المرآة نوعا من الموازاة الرمزية غير المقصودة لوعيه بأوضاعه المعرفية وأحواله الحضارية في مرآة الحضارة الغربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت