فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 239

وإذا تركنا هذه الملاحظات العامة إلى نوع من التخصيص الذي يمكن أن يكون أقرب إلى دراسة حالة, في مدى متابعة تجليات الرحلة إلى الآخر في القرن التاسع عشر, فإننا يمكن أن نعود إلى كتاب رفاعة نفسه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) ونتوقف عنده بوصفه البداية الجذرية التي ظلت تتكرر صفاتها في الكتابات اللاحقة, حتي لو وجدنا اختلافات أو تحولات تتصل بوعي المدرك الذي ظل في الدائرة نفسها من منظور إدراك (الآخر) . وإذا اقتصرنا على رفاعة وحده, بوصفه نموذجا لغيره وأساسا بنى عليه من جاء بعده, فإننا يمكن أن نقدم الملاحظات التالية:

أولا: يلفت الانتباه أن الدهشة التي تصيب المتخلّف من ظاهر التقدم تظل حالة مقترنة بالإعجاب الذي تعجز الكلمات عن التعبير عن خصوصيته الشعورية في بعض الحالات, وإذا كانت المظاهر المادية تشمل العمارة وتخطيط الشوارع والميادين والمتنزهات والفنادق والعربات, فإنها تشمل أماكن الفنون والعلوم (الجامعات, المكتبات, الأوبرا, المسارح) واحتفالاتها (الكرنفالات) كما تشمل العادات والتقاليد وأنظمة الحكم ومبادئ الفصل بين السلطات... إلخ.

وتلعب بعض المظاهر المادية دورا دالا يدنو من أحوال الرمز الكاشف عن توتر علاقة العارف بجدة الموضوع المعروف, وماذا يتصل بهذا التوتر من مشاعر مختلفة أو مختلطة. ومثال ذلك في كتاب رفاعة الطهطاوي حديثه عن المقاهي الفرنسية التي تمتلئ جدرانها بالمرايا العظيمة التي رآها رفاعة للمرة الأولى, فظهر له منها رونق عظيم واندهاش طريف, عبّر عنه بقوله:

(وحين دخولي بهذه القهوة ومكثي بها ظننت أنها قصبة عظيمة نافذة لما أن بها من الناس, فإذا بدا جماعة داخلها أو خارجها ظهرت صورهم في كل جوانب الزجاج, وظهر تعددهم مشيا وقعودا وقياما, فيظن أن هذه القهوة طريق, وما عرفت أنها قهوة مسدودة إلا بسبب أني رأيت عدة صورنا في المرآة. فعرفت أن هذا كله بسبب خاصية الزجاج) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت