فهرس الكتاب
ولم يقتصر الأمر بعلي مبارك - المسلح بفرمانات من الخديو إسماعيل - على شقّ البوليفارات والميادين والأحياء الجديدة فضلا عن شبكات المياه والصرف الصحي, وإنارة البوليفارات بمصابيح الغاز, ووصلها بالجسور التي كان أهمها جسر قصر النيل, وإنما امتد الأمر إلى بقية الإنجازات المعمارية لمدينة القاهرة التي أراد لها الخديو إسماعيل والطليعة المحيطة به والمتحمسة لرؤاه المحدثة أن تكون مدينة حديثة على طراز باريس هاوسمان, فقام علي مبارك بتنظيم الحدائق التي كانت (الأزبكية) أهمها, وإنشاء (دار الأوبرا) التي بُنيت بأسرع ما يمكن للاحتفال ببدء الملاحة في قناة السويس في السابع عشر من نوفمبر سنة 1869. واستهلت الأوبرا عروضها في مساء التاسع والعشرين من نوفمبر سنة 1869 بأوبرا (ريجيوليتيو) التي كانت الإمبراطورة أوجيني في مقدمة مشاهديها إلى جانب ضيوف افتتاح القناة. وكان بناء الأوبرا على تخوم الأزبكية بعد عام واحد فحسب من إنشاء المسرح الكوميدي بالأزبكية الذي افتتح في الرابع من يناير سنة 1868.
وقد فعل علي مبارك ذلك كله في عقد واحد من الزمان, كان بمنزلة استهلال لزمن جديد من التعليم المدني والعمران المدني, وذلك في منظومة وصلت التحديث الجذري لمدينة القاهرة بالتحديث الجذري للتعليم وأجهزة الثقافة ووسائلها التي تقف المطبعة والصحافة على رأسها. وكانت هذه المنظومة بأكثر من معني محاكاة لمنظومة هاوسمان الباريسية الحديثة.
وفي الوقت نفسه, كانت نتيجة من نتاج رؤية باريز بأعين متعاطفة, منبهرة, تسعى إلى إعادة إنتاج العاصمة الفرنسية في العاصمة المصرية, وذلك لكي يتحقق حلم إسماعيل باشا في أن تكون مصر قطعة من أوربا, أو تكون القاهرة مرآة ترى فيه باريس صورتها بأكثر من معنى وفي أكثر من اتجاه ومجال.