فهرس الكتاب
هذه المواصفات, مجتمعة, جعلت من باريس النصف الثاني من ستينيات القرن التاسع عشر مشهدا فريدا في إثارته, مهرجانا لعينَيْ وأحاسيس علي مبارك الذي رأى من أوجه المدينة الجديدة و (بوليفاراتها) ما لم يره سلفه رفاعة الطهطاوي, الذي أنهى بعثته قبل ثورة (هاوسمان) المعمارية بسنوات عديدة. وقد استوعب علي مبارك - فيما أحسب, وفيما تؤكد أعماله في وزارة الأشغال العمومية - المنظومة الشاملة لتخطيط المدينة التي تجمع ما بين (المدرسة المدنية) الحديثة و (البوليفارات) و (دار الأوبرا) و (الحديقة الكبيرة) و (المتحف) و (أقسام الشرطة) . ولم يكن من قبيل المصادفة - والأمر كذلك - أن يقوم الخديو إسماعيل - زميل علي مبارك في (بعثة الأنجال) - بتعيينه ناظرا للمعارف وناظرا للأشغال العمومية بعد عودته من مهمته الرسمية في باريس. وكان ذلك سنة 1868, السنة التي نال فيها علي مبارك رتبة الميرميران, والتي كانت بداية عقد كامل قضاه منشغلا بتخطيط مدينة القاهرة الحديثة, مستهلا بناء عماراتها التي لايزال بعضها شاهدا على ما فعل, جنبا إلى جنب شق (بوليفاراتها) التي استهلها بشارع محمد علي وميدانه, وشارع عبدالعزيز, وشارع عابدين, وشارع الفجالة الجديد, وشارع كلوت بك. وكانت هذه الشوارع مفضية إلى الأحياء الجديدة, ابتداء من حي باب اللوق, مرورا بحي عابدين, وانتهاء بحي الإسماعيلية الذي كان من قبل, أراضي خربة سبخة تحتوي على كثبان من الأتربة وبرك المياه, فخططها علي مبارك وأنشأ فيها الشوارع والحارات على خطوط مستقيمة, وأغلبها متقاطع على زوايا قائمة ودكّت الشوارع والحارات بالحجر (الدقشوم) ونُظمت على جوانبها الأرصفة, ومدت في أرضها أنابيب المياه, وأقيمت فيها أعمدة المصابيح لإنارتها بغاز الاستصباح, فأصبح الحي كما يقول علي مبارك نفسه - في خططه التوفيقية - من أبهج أخطاط القاهرة التي سرعان ما سكنها الأمراء والأعيان.