فهرس الكتاب
وكان من نتيجة ذلك انفتاح الأبواب في كتابات رفاعة لأفكار المجتمع المدني ليس بوصفه نقيضا للدين, وإنما بوصفه مجتمع المؤسسات القانونية الذي لا مكان فيه لحكم الإكليروس من ناحية, ويمكن أن يعتمد على مصادر داخل الميراث الإسلامي العقلاني نفسه من ناحية مقابلة. ولذلك لم يشعر رفاعة بتناقض بين الاستخدام الاجتماعي لمبدأ التحسين والتقبيح العقليين عند المعتزلة, والمبدأ التنويري الفرنسي الذي انبنى على إمكان تأسيس المجتمع على مبادئ أخلاقية, مستنبطة بواسطة البحث العقلاني في الطبيعة العامة للحياة الاجتماعية. ومن هذا المنطلق كان تقبّل رفاعة معنى الدستور, في كتابه وكتاباته, فعلا آخر من أفعال (تخليص إبريز) المجتمع الذي عاشه في فرنسا, فنظر إلى الدستور من حيث هو تعاقد مدني, يتحقق في كل أمة لها طابع النظام والاستقرار, وتقبل معناه بوصفه (الشريعة) البشرية التي تنظم أمور الدولة المدنية, وتفصل بين سلطاتها, وتصون كل أطرافها. ووصل بينه وبين النظام النيابي الحر الذي يكفل الضمانات للأفراد كل الوصل, وذلك ربط ينتمي إلى تقاليد عرقية في الأنظمة الدستورية, تقاليد دفعت الكثيرين من مفكّري القرن التاسع عشر, في فرنسا, إلى عدم الاعتراف بوجود دستور أو قانون دستوري, إلا إذا تحققت الأنظمة النيابية الحرة. وقد انتقلت هذه التقاليد إلى خارج فرنسا, مع رفاعة وغيره, وتجسدت في كتابات المفكرين والساسة, وتغلغلت في الرأي العام للمثقفين, على نحو وصل بين الدعوة إلى النظم الديمقراطية والدعوة إلى الدستور في كثير من البلاد.