فهرس الكتاب
ومن اللافت للانتباه, في سياق هذه التقاليد, أن رفاعة طبع كتابه في العام نفسه الذي أنشئ فيه كرسي القانون الدستوري في كلية الحقوق بجامعة باريس, على يد (جيزو) الذي كان وزيرا للتعليم في حكومة الملك لويس فيليب, والذي كان يهدف من وراء ذلك إلى الدعاية لهذا الدستور الملكي والأنظمة التي أقامها, ومن ثم الترويج للفلسفة السياسية التي كان يستند إليها, والتي عمادها صيانة الحقوق والحريات الفردية وإقامة نظام نيابي برلماني حر. وكما ارتبط القانون الدستوري في ذهن جيزو بدستور فرنسا الصادر سنة 1830 الذي يسميه رفاعة (الشرطة) , أصبح هذا القانون مثالا حديثا لأمور مدنية (لا ينكر ذوو العقول أنها من باب العدل) في رأي نموذج شيخ الاستنارة.
ويترجم رفاعة هذا الدستور إلى العربية, في الكتاب الذي دفع به إلى المطبعة داعيا الله العلي القدير (أن يوقظ به من نوم الغفلة سائر أمم الإسلام من عرب وعجم) , ويمهد للترجمة بقوله إن غالب ما في هذا الدستور ليس في كتاب الله تعالى, ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم, ومع ذلك - أو بسبب ذلك - فهو دليل عقلي على إمكان وصول أبناء الأمة إلى عقد اجتماعي يحقق لهم التقدم, خصوصا حين تحكم عقول حكمائهم أن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد. والمؤكد أن انقياد الحكام والرعاة إلى ذلك قد أدى إلى عمران بلاد الفرنساوية, فيما يرى رفاعة, وأدى إلى كثرة معارفهم وتراكم غناهم وارتياح قلوبهم (لا تسمع فيهم من يشكو ظلما أبدا, والعدل أساس العمران) .