فهرس الكتاب
وإذ يتحدث رفاعة عن أن ملك فرنسا ليس مطلق التصرف, وأن السياسة الفرنساوية هي قانون مقيد, بحيث إن الحاكم هو الملك بشرط أن يعمل بما هو مذكور في القوانين التي يرضى بها أهل الدواوين, فإنه يؤكد معنى أن يكون سائر الفرنساوية مستوين قدّام الشريعة (الدستور) , ويشرحه بقوله: إن ذلك من الأدلة الواضحة على وصول العدل فيهم إلى درجة عالية, وتقدم في الآداب الحضرية (المدنية) , فمعنى كون سائر الناس مستوين قدام الشريعة أنه لا يوجد رفيع أو وضيع, وأن الدعوى القضائية تقام على الملك كما تقام على أصغر مواطن, وفي ذلك إقامة للعدل وإسعاف للمظلوم وإرضاء لخاطر الفقير بأنه كالعظيم سواء بسواء. ولذلك كان كل واحد من الفرنساوية أهلا لأخذ أي منصب أو رتبة, وكانت حرية كل منهم مصانة في الحياة الشخصية والاعتقاد والاختلاف والتعبير عن الرأي بكل الطرق الممكنة.
أما حرية الملكية فلا تقل احتراما عن حرية التفكير التي تصونها السلطة القضائية المستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية.
ويتقبّل رفاعة التعديلات التي أضيفت إلى دستور 1830 الفرنسي نتيجة أحداث 1831 التي عاصرها وتعاطف مع ما انطوت عليه من (قيامة الفرنساوية للحرية والمساواة) , وحرصهم على تعديل الدستور لتقييد الملكية وتأكيد استقلال القضاء, والارتقاء بدور السلطة النيابية. وكما كانت الحرية هي الدلالة متكررة الرجع في كل عمليات (تخليص الإبريز) , كانت لوازمها ظاهرة لافتة: العدل الذي هو أساس العمران, الشورى اللازمة للحاكم, تدبير الدولة الحديثة, ديوان رسل العمالات الذين هم وكلاء الرعية, الوزراء الذين توكل إليهم السلطة التنفيذية, القضاة الذين لا يخرج شيء عن حكمهم, حقوق الناس التي يضمنها الدستور, الإنصاف في المعاملة, التساوي في الأحكام والقوانين بحيث لا يجور الحاكم على إنسان, بل القوانين هي المحكمة والمعتبرة, في الدولة المدنية (الفرنساوية) التي يراها رفاعة جديرة بقول الشاعر: