فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 239

إننا نميل إلى الاعتقاد بأن نصوص الفئة الثانية من الرحلات قد كتبها أصحابها عن وعي, هادفين إلى إبراز ما حققه الآخر من تقدم, وما ينعم به من حريات مقابل صورة الأنا المتخلفة, وما تعانيه من ويلات حكم مطلق استبدادي يقف عائقا أمام كل محاولات الإصلاح والتحديث. إن النهضويين العرب قد نظروا إلى التمدن في الغرب من زوايا مختلفة, دون ريب, ولكنهم قد تأثروا من قريب, أو من بعيد بحداثة عصر الأنوار, ويعد هذا في نظري من أبرز مكاسب الفكر التنويري العربي, وأثمن ما تضمنه, هذا الصنف من الرحلات, فقد قدم الطهطاوي في رحلته (تخليص الإبريز) فكر البورجوازية الفرنسية الديمقراطي, وترجم فيه دستورها, ووصف ثورة الشعب الفرنسي سنة 1830, وتعاطف معها, كما أدخل كثيرا من المفاهيم الجديدة إلى اللغة العربية, إذ إنه استعمل في مرحلة مبكرة مفهوم (الجمعية) بمعنى المجتمع, واستعمل مفهوم (الجمعية التأنسية) بمعنى (المجتمع الإنساني) , إذ إننا نقرأ في كتابه (المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين) , وهو نص بمنزلة وصيته الفكرية (نشر عام 1872, أي قبل سنة من وفاته) ما يلي:

(إنه(يعني العدل) أساس الجمعية التأنسية, والعمران, والتمدن, فهو أصل عمارة الممالك التي لا يتم حسن تدبيرها إلا به, وجميع ما عدا العدل من الفضائل متفرع عنه, وكالصفة من صفاته), واستعمل مفهوم (التمدن) بمعنى (progrہs) , ولكنه استعمل في كتابه (مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية) , مفهوم (التقدمية) , وأميل إلى الاعتقاد بأنه يعني ما نسميه اليوم الحداثة, واستعمل مفهوم (الحقوق المدنية) , وهي تعني عنده التحرر من ربقة العبودية, والتمتع بالحرية, ويشير في فقرة أخرى من الكتاب إلى ارتباط المصلحة الفردية بمصالح المجتمع المدني وقواه لما قال:

إن الأهالي يجب أن يدركوا أن مصالحهم الخصوصية الشخصية لا تتم ولا تنجز إلا بتحقيق المصلحة العمومية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت