فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 239

2 -المذهب الإنساني. وقد حاول جعل الإنسان بؤرة الكون, غاية في ذاته لتبني العصور الحديثة عليه مشروعها في الذاتية ابتداء من (الأنا أفكر) . وجعل الذات محورا للعالم. خرج من ثنايا الفكر الديني, وحول بؤرته من الله إلى الإنسان. وهو ما لم يحدث بعد بشكل صريح في فكرنا المعاصر وإن كان قد وُجد متخفيا في تراثنا القديم مغتربا في الله في علم أصول الدين, وعقلا خالصا في علوم الحكمة, وتجربة ذوقية في علوم التصوف, وسلوك عملي في علم أصول الفقه.

ظهرت هذه النزعة أيضا عند بيكو دي لاميراندولا, مدافعا عن المسئولية والكرامة الإنسانية (5) . ثم تحولت إلى مذهب عند اراسموس يضع الانسان في مركز العالم, ويعيد بناء العقيدة المسيحية على أساس إنساني خالص (6) . ويضع برنامجا لتعليم المسيحي كمواطن عصري مستنير كما حاول البعض وضع دليل للمسلم المستنير, عارض بقوة الفلسفة المدرسية, كما فعل بعض مفكري الإخوان مثل سيد قطب وسعيد رمضان, ووهب حياته للإصلاح الكنسي. فالمسيحية ليست مجرد عقيدة في الخلاص بل هي دين الروح الذي يقوم على الثقة بالعقل الإنساني كما حاول محمد عبده مستئنفا دور المعتزلة في جعل العقل أساس النقل. أيد مارتن لوثر, ودعا الناس إلى الاستماع إليه. وروح البروتستانتية هو روح الإسلام في جعل مصدر الوحي الكتاب وحده, وحرية التفسير, ورفض التوسط بين الانسان والله, والربط بين الدين والوطن, باستثناء الخلاص بالإيمان وحده دون الأعمال. فالخلاص في الإسلام بالعمل ولا يكفي الإيمان وحده. وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون . وعارض اللاهوت العقائدي الإصلاحي الذي يدعو إلى العنف والثورة المسلحة على الكنيسة والإقطاع. ونقد تعاليم الكنيسة وبين سطحيتها. وهو الذي أمد المصلحين الدينيين بأسس عقلية مستنيرة فكان بمنزلة عقلهم المنظر لوجدانهم الديني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت