فالنقد الأدبي بتعمقه في خفايا اللغة يبرز لنا مواطن ضعف أساليب الشعراء والكتاب، وبذلك يرفع ويميز الأسلوب الإلهي القرآني عن أساليب البشر ويبيّن عجزهم عن الإتيان بشيء يشبه هذا الكتاب المعظّم. فإنهم لم ينجحوا ولن ينجحوا في الإتيان بمثله مهما اجتهدوا في سبيل ذلك. وكل هذه الأمور يجلي لنا أهمية دراسة النقد الأدبي والتعمق في مسائله وتدبّر آراء النقاد والبلاغيين، الذين يعد صاحب"منهاج البلغاء"- حازم القرطاجني - من أبرزهم. والأمر الذي يزيد أهمية دراسة مسائل"المنهاج"في هذا العصر هو أنه بقي شبه مجهول في أوساط المباحثات النقدية، ولم يعط حقه من الاهتمام في مجال البلاغة. وسنبين سبب ذلك وأثره في أثناء تناولنا لمسائل الكتاب.
وفي هجرة حازم من الأندلس وسقوط تلك البلاد في أيدي النصارى ما يذكرنا بما يحدث في هذا العصر في تلك القارة نفسها. فقد واصل النصارى انتزاع الأراضي من المسلمين في أوربا وتهجيرهم من بيوتهم، ومن ثم طمس الآثار الإسلامية في أي مكان احتلوه. فلم يختلف منهجهم في ذلك منذ عصر حازم القرطاجني حتى الآن، حيث إن الوضع في أوربا الشرقية الآن شبيه بالوضع في الأندلس إبان سقوطها تماما، فلم يبق للمسلمين هناك سوى تذكر أمجادهم القديمة وقصورهم الماضية التي يسودها الآن غيرهم. وهجرة حازم لها أثرها في بناء نفسيته الشاعر، كما أثر ذلك على شخصيته العلمية. وكان مما ساعدني على أدراك آلامه وأحزانه أن قومي الآن يعيش في أوربا أيام الأندلس نفسها، حيث إننا نشاهد بأعيننا سقوط مدن المسلمين في براثن الأعداء وإجلاءها من سكانها بتهجيرهم إلى بلدان العالم المتفرقة، ونسأل الله العافية.