فهرس الكتاب
وأول من استعمل كلمة"التخييل"هو الفيلسوف الفارابي - في أغلب الظن، واستعملها ابن سينا تفسيرا لكلمة المحاكاة التي وردت في ترجمة متى."وقد تأثر الفيلسوفان في وضع هذا الاصطلاح وتحديد معناه بنواح ثلاث من فلسفة أرسطو:"
الأولى:"المنطق"، فأرسطو قد تحدث عن أنواع المقدمات وأن منها مقدمات يقينية (البرهانية) ، ومقدمات ممكنة (الخطابية) . فلم ير المنطقيون العرب صعوبة في عد الشعر مؤلفا من مقدمات مخيلة.
والناحية الثانية: علم النفس، فقد لاحظ الشراح العرب أن الشعر لا يخاطب الفكر، بل يخاطب المخيلة فينبه صور المحسوسات المختزنة فيها؛ فلأن المخيلة عند أرسطو تواجه قوة الإحساس، كان التخييل يعتمد على المحسوسات؛ ولأنها وثيقة الاتصال بالانفعالات تتأثر بها وتؤثر فيها، كان الشعر شديد التحريك للانفعال.
والناحية الثالثة: فلسفته الأولى، فقد استطاع الشراح العرب أن يردوا فلسفة أرسطو في الشعر إلى فلسفته العامة، وأن ينظروا إلى التخييل على أنه"العلة الصورية"للشعر، وإلى المعاني والأفكار على أنها علته المادية، ومن هنا أصبح التخييل هو الحقيقة الذاتية التي تميزه عن غيره من الكلام مما ليس بشعر، وجاز للشاعر أن يستخدم التصديقات الخطابية إذا صاغها في عبارة مخيلة.""
وملخص فكرة أرسطو في المحاكاة أنها"تلك الفكرة التي نعبر عنها تعبيرًا مبهمًا حين نقول عن الشاعر أو الأديب: إنه مرآة عصره، أو حين نقول عن الأديب أو الفن عامة: إنه يعكس واقع الحياة ممتزجا برغبات الإنسان وآماله ومعتقداته."وإذن،"فليست المحاكاة عنده مجرد تقليد للواقع، بل هو يحاكي أيضا ما يقدر كونه، وما يعتقد أنه كان وإن لم يكن في الحقيقة. فهذه فكرة من الأفكار الضخمة الخالدة في التراث النقدي، لا تزال تتناول بالدرس وتؤلف فيها الكتب..."