فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 54

وعند بيان سبب قوة المحاكاة الشعرية على التأثير، يعود حازم أيضا إلى ابن سينا وينقل ما قاله أرسططاليس في التذاذ النفوس وانفعالها بالمحاكاة من حيث هي محاكاة، وبما زاد فيها من طبيعة التوافق الموسيقي. وقد فسّر حازم هذا التوافق الموسيقي بتلذذ السمع بجمال العبارة الشعرية وذلك يشبه ابتهاج العين برؤية الأشربة"في الآنية التي تشف عنها كالزجاج والبلور"، مما لا يتأتى عند رؤيتها في آنية خزفية."وهذا الجمال يعتمد على اختيار مادة اللفظ وتلاؤم التركيب، وفي هذا تنفرد الأقاويل الشعرية عن غيرها من الأقاويل"، إلا أن هذه المحاكاة ليست أبدًا على درجة واحدة من التأثير، فإن ذلك مقيد ومتوقف على مقدار الإبداع فيها كما استعداد النفس لقبولها. والاستعداد النفسي نوعان: هو إما حالة معينة تكون فيها النفس مستعدة لتقبل محاكاة ملائمة لتلك الحالة، أو هو استعداد عام، أو الاعتقاد بالشعر. وهذا ما قد فقد في عصر حازم بفقدان الشعر، مما سبق بيانه. فهناك أناس حرموا فهم الشعر، وحرموا التحرك النفسي للمحاكاة الشعرية.

وفي خاتمة حديثه عن مسألة التخييل والمحاكاة يطرح صاحب المنهاج سؤالا دقيقا، ثم يجيب عنه ويرد شبه المعترضين على رأيه.

والسؤال هو: لماذا لا يكون التذاذ الناس بالشيء المحكي نفسه أكثر من التذاذهم بالمحاكاة نفسها؟ لمَ لا تكون اللذة الناجمة عن رؤية امرأة جميلة أكبر بكثير من رؤية تمثال فني لتلك المرأة؟ فيجيب بأن اللذة حاصلة في الحالتين إلا أنه تختلف طبيعتها. فاللذة الحاصلة من رؤية الشيء نفسه نابعة من حسن ذاك الشيء، بينما تحصل اللذة من رؤية تمثال ذاك الشيء من أمرين: من تعجيب النفس، ولأن الشيء المحكي قد لا يكون جميلا في الحالات كلها، ولكن تخييله بالمحاكاة قد يجعله حسنا في كل حال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت