فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 54

أول ما يميز عمل حازم القرطاجني عن غيره من العلماء أنه لم يبحث البلاغة على الطريقة المدرسية مثل ما فعل السكاكي ومن سبقه من البلاغيين. فهو، بخلاف المشارقة، قد بنى نظريته النقدية على أسس منطقية حكمية، وعلى ذوقه النابع عن نفس شاعرة.

ففي مسألة مصدر الشعر قد اختلف حازم اختلافا شديدا مع ناقد كبير آخر، هو عبد القاهر الجرجاني."فإن الجرجاني الناقد جعل الشعر مربوطا بالعقل، من جهة المعاني حتى في حالة التخييل، وبذلك قصر التخييل على الحيل العقلية في رفع درجة الشيء المخيل إلى درجة المعقول؛ ومن ثمّ كان التذاذ الناشئ عن تذوق الشعر لديه أمرا عقليا. أما حازم فإنه استطاع لدقته أن يميز بين الحيل التمويهية والتخييل..."

وكذلك نرى حازما يتخطّى الخلاف الشديد والعقيم في قضية الصدق والكذب، يمنح التخييل ومقداره في الكلام الأهمية القصوى في العمل الشعري؛ كما أنه تجاوز القضية الأخرى المعقدة حول اللفظ والمعنى، والتي شغلت كثيرا من النقاد المشرقيين.

ومن ناحية أخرى نرى حازما يتأثر بقدامة في مواطن عدة، واستطاع هذا الأخير أن يضلله في غير موطن، ولكن القرطاجني نجح في التخلص مما أوقعه في قدامة حيث أتى بالرأي الذي لا يتعارض مع رأي قدامة ولا مع الأسس النقدية التي يتبناها.

وبعد كل هذا أقول إن كتاب منهاج البلغاء وسراج الأدباء بحر لم يخرج لآلؤه عن صدفاتها حتى الآن. وقد سنحت لي الفرصة للبحث فيه واستكشاف مكامنه، فبان لي من خلال ذلك طرف من قيمة هذا الكتاب وفائدته العظمى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت