فهو عبد لهذه الأشياء لأن عمله من أجلها، ولها يرضا ويسخط، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط". وهذا يدل على أن صاحب الهوى يعبد هواه كما قال تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله} [سورة الجاثية، الآية 23] . وفي حديث أبي هريرة الذي في الصحيح في الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار:"الأول من تعلم علما ليقال: هو عالم قارئ، والآخر من قاتل ليقال هو جريء شجاع، والثالث: من تصدق ليقال هو جواد كريم" [1] . فهؤلاء إنما كان قصدهم مدح الناس لهم وطلب الجاه عندهم وتعظيمهم لهم، لم يقصدوا بفعلهم وجه الله وإن كانت صور أعمالهم حسنة في الظاهر.
وفي الحديث الآخر:"من طلب العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء أو ليصرف به وجوه الناس إليه فله من عمله النار" [2] .
فمباهات العلماء أن يظهر لهم أنه يعرف ما يعرفون، ويدرك ما لا يدركون من المعاني والاستنباطات، وأنه يستطيع أن يرد عليهم، ويبين أنهم يخطئون.
وأما مماراة السفهاء فهو مجادلتهم ومجاراتهم في السفه.
وأما صرف وجوه الناس إليه فالمراد به طلب ثنائهم ومدحهم له، وتعريفهم بأنه عالم، فهو بعمله هذا يتقرب إلى النار.
وفي الحديث الآخر:"من طلب علما مما يبتغي به وجه الله تعالى لا يطلبه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة [3] . وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة سنة" [4] .
ومقابله ما قاله أبو عثمان النيسابوري:"من أمر السنة على نفسه قولا وفعلًا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالبدعة"لأن الله يقول: {وإن تطيعوه تهتدوا} [5] [سورة النور الآية:54] .
فاتباع الهوى نوع من الشرك كما قال بعض السلف:"شر إله عبد في الأرض الهوى"! فهو يضل الإنسان عن الحق وإن كان يعرف ذلك، فإذا صار الهوى هو القائد والدافع صار أصحابه شيعا يتعصب كل واحد لرأيه ويعادي من خالفه، ولو كان الحق معه واضحا لأن الحق ليس مطلوبه!! وبذلك يذلوا وتذهب ريحهم، ويفشلوا أمام كل عمل أرادوه، لأنهم صاروا متفرقين تتحكم فيهم
(1) رواه مسلم في كتاب اللإمارة باب من قاتل للرياء والسمعة. ورواه الترمذى في أبواب الزهد. ورواه أحمد ج2 ص 321
(2) رواه الترمذي في أبواب العلم، باب فيمن يطلب بعلمه الدنيا، ورواه ابن ماجه في المقدمة وصححه الألبانى، ورواه الدرامي في المقدمة، باب التوبيخ لمن يطلب العلم لغير الله ج1 ص 102.
(3) رواه أبو داود في كتاب العلم باب في طلب العلم لغير الله، ورواه ابن ماجة في المقدمة وصححه الألبانى، ورواه أحمد ج2 ص 338، والدارمى في المقدمة ج1 ص 80.
(4) هذه الزيادة في موطأ مالك في كتاب اللباس: باب ما يكره للنساء لبسه.
(5) انظر كتاب الاعتصام للشاطبى ص 72. ط دار الكتب العمية.