الشرع وكلياته فيما لم يجدوا فيه نصا فحمدوا وأجروا على ذلك .. مثل اختلافهم في إرث الجد مع الأخوة، وفي جواز بيع أمهات الأولاد، وفي المشركة، وفي الطلاق قبل النكاح، وفي مسائل في البيوع، وغير ذلك كثير كل واحد يخالف الآخر، ومع ذلك كانوا متوادين متناصحين، رابطة الأخوة الإسلامية قوية بينهم.
قال الشاطبي: كل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء، ولا فرقة علمنا أنها من مسائل الإسلام، وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنابز والتنافر والقطيعة علمنا أنها ليست من أمرالدين في شيء، وأنها التي عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفسير الآية، وهي قوله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} [سورة الأنعام الآية 159] . فيجب على كل ذي دين وعقل أن يجتنبها، ودليل ذلك قوله تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} [سورة آل عمران الآية 103] . فإذا اختلفوا وتقاطعوا كان ذلك لحدث أحدثوه من اتباع الهوى، فالإسلام يدعو إلى الألفة والتحاب والتراحم والتعاطف، فكل رأي أدى إلى خلاف ذلك فخارج عن الدين"أ. هـ [1] ."
والتفسير الذي أشار إليه أن الرسول صلى الله عليه وسلم فسر به قوله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} [سورة الأنعام الآية 159] هو ما ذكره عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله عليه وسلم: يا عائشة:"إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا"هم أصحاب الأهواء، وأصحاب البدع، وأصحاب الضلالة من هذه الأمة! يا عائشة إن لكل ذنب توبة ما خلا أصحاب الأهواء والبدع ليس لهم توبة! وأنا بريء منهم وهم مني براء!!
وقال الشاطبي أيضا:"ينبغي أن تذكر أوصاف أهل البدع ولا يعينون بأعيانهم لئلا يكون ذلك داع إلى الفرقة والوحشة وعدم الألفة التي أمر الله بها ورسوله، حيث قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [سورة آل عمران الآية: 103] ، وقال تعالى: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} [سورة الأنفال الآية 1] ، وقال تعالى: {ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} [سورة الروم الآيتان 31،32] وفي الحديث: (لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا) [2] ، وأمر عليه الصلاة والسلام بإصلاح ذات البين، وأخبر أن فساد ذات البين هي الحالقة وأنها تحلق الدين، والشريعة طافحة بهذا المعنى"أ هـ
(1) كتاب الموافقات4 ص 186، وفي الاعتصام ص 429.
(2) رواه البخاري، كتاب الأدب: باب ما ينهي عن التحاسد والتدابر، ورواه مسلم.