فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 20

وسبب ذلك اتباعهم لأهوائهم، قال تعالى: {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتهم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} [سورة البقرة الآية 87] . وقال تعالى: {لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون} [المائدة، الآية: 70]

فاتباع الهوى هو أصل الضلال والكفر، ومعلوم أن ذلك يتفاوت تفاوتًا عظيمًا، فمن اتباع الهوى ما يوصل إلى ما ذكر، ومنه ما هو أقل من ذلك، وكل من خالف الحق لا يخرج عن اتباعه للهوى أو الاعتماد على الظن الذي لا يغني من الحق شيئًا، كما قال تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} [سورة النجم، الآية:23] . فإن كان يعتقد أن قوله صحيحًا وله فيه حجة يتمسك بها فغايته اتباع الظن الذي لا يغني من الحق شيئا وتكون حجته شبهات فاسدة مركبة من ألفاظ مجملة ومعان متشابهة لم يميز بين حقها وباطلها، فإذا ميز الحق فيها عن الباطل زال الاشتباه.

ومما يجب أن يعلم أن الله - تعالى - لم يقص علينا في القرآن الكريم قصص السابقين إلا لنعتبر بها لما فينا من الحاجة إلى ذلك، ولما فيه من المصلحة، وإنما يكون الاعتبار إذا قسنا ما يقع لنا وما يكون فينا على ما وقع من السابقين وحصل لهم من جراء ذلك.

ولولا أن في نفوس كثير من الناس أو أكثرهم ما كان في نفوس المكذبين للرسل لم يكن بنا حاجة إلى الاعتبار بمن لا نشبهه بقول أو فعل أو سجية كامنة في النفس تنتظر الخروج، ولكن الواقع مثل ما قال الله تعالى: {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم} [سورة البقرة، الآية 118] وقوله تعالى: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} [سورة الذاريات الآية:52] وقال تعالى: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} [سورة فصلت، الآية:43] وقوله: {يضاهئون قول الذين كفروا من قبل} [سورة التوبة الآية:30] ، أي قولهم يماثل قول من سبقهم بالكفر ويشابهه.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟" [1] . والقذة: ريشة السهم، وهي ما يشبه رصاصة البندقية (اليوم) ، فكل واحدة تكون مساوية للأخرى، فالمعنى أنكم تكونون مثلهم بأفعالهم سواء بسواء.

وفي الحديث الآخر:"لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتى بأخذ القرون قبلها شبرًا بشبر وذراعا بذراع فقيل يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك" [2] .

(1) رواه البخارى ومسلم. دون لفظ:"حذو القذة بالقذة"فقد رواه أحمد في المسند ج 4 ص 125.

(2) رواهالبخارى (كتاب الاعتصام، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم"لتتبعن سنن من كان قبلكم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت