فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 115

لماذا هذا العنف؟

وقوع الأحداث في أي بلد أمرٌ عادي، وتغيُّر الحكومات وتبديل الوزارات شيءٌ لا غرابة فيه، ولكن سلوك بعض هذه الحكومات والوزارات غير إنساني وغير أخلاقي، إننا نسمع باستمرار تغير الوزارات والرؤساء والحكومات في العالم، دون أن يُثار الضجيج، ويُستعمل السلاح، وتُكال الشتائم، يستقيل الرئيس أو الحكومة، ويحل محلَّهما غيرُهما، فلا ينتقم الخلف من السلف، ولا تسيل الدماء وتنتهك الحرمات؛ بل يظل السابق محتفظًا بكرامته وتقديره، وقد يكون له أخطاء فادحة حصلت اجتهادًا، فلا تنصب له المشانق، ولا يسحل في الشوارع، ولا ينعت بأقذع النعوت؛ بل ينتقد، ويقصى عن الوظيفة في هدوء، وفي عدل.

ولستُ بحاجة إلى التشخيص، ولكن على سبيل المثال: ترومان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق، الذي ارتكب جريمةً عالمية بإلقاء القنابل الذرية على اليابان، إنه ما زال حيًّا، له مكانته، وإن انتُقد في تصرفاته، ولقي الاستنكار لفعلته الشنعاء، التي هي من أفظع الجرائم وأشدها همجية.

"وتشرتشل"، لقد نيف على الثمانين من عمره، وتعاقبت وزاراتٌ بعده، ومع هذا لا يزال يلقى الاحترام من مواطنيه من خصوم وأصدقاء رغم أخطائه العديدة [1] .

ولكن المؤسف أن يصبح طابعًا للعالم العربي هذا العنفُ والقسوة، وسفك الدماء، وإنه لشيء خطير أن تكون قاعدة مطردة أنه كلما غضبتْ فئة أو فئات من الشعب، تثور على الحكومة الحاضرة، ثم تنتقم من الحكام بطريقة فظة عنيفة يعرفها الجميع.

وليت أولئك المنتقمين يعتبرون بسلفهم؛ ليخفِّفوا من غلوائهم، فلا يُمعنون في الانتقام والتشفي؛ لأنهم سائرون على الدرب الذي نهجه سلفهم - ما داموا قد اتبعوا أسلوبه العنيف - وأي مأساة تقع إذا كانت الدماء تسيل أنهارًا بين من يختلفون في الرأي؟! وأي

(1) وما زال يحظى بهذا التقدير بين مواطنيه بعد وفاته رغم أخطائه العديدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت