فهرس الكتاب
إلى متى؟ [1]
إلى متى والعرب في انقلابات وثورات ودماء؟! فما أن تهدأ ثورة حتى تعصف بها ثورة، وما أن يحدث انقلاب حتى يطيح به انقلاب، حتى أضحت الانقلابات والثورات في المحيط العربي وكأنها أمر عادي لا يثير كثيرًا من الانتباه.
مع أن الدماء تسفك بغزارة، والضحايا بالمئات والآلاف وعشرات الآلاف، والأرحام تقطع، والأطفال يصبحون مشرَّدين بعد حنان الأبوين، والثكالى يذرفْنَ الدمع بغزارة، والعدو قرير العين، وقد وجد من يخدمه في تمزيق العرب والمسلمين، ويظل بعيدًا عن مسرح الأحداث، يحركها من بعيد، ويترقب الفرصة لينقضَّ على الفريسة المثخنة بالجراح بعد أن تسقط من الإعياء، وإسرائيل - الخنجر المسموم في قلب البلاد الإسلامية والعربية - تطرب لهذا التناحر، وتمضي هي في خططها العدوانية [2] .
وهؤلاء القائمون بالثورات في البلاد العربية منصرفون بكل قُواهم إلى تثبيت دعائم حكمهم، الذي ينهار قبل إرسائه، إنني لا أقصد ثورة واحدة، أو انقلابًا معينًا؛ ولكنني أتساءل مع الكثيرين: ترى أليس هناك وسيلة للإصلاح - إذا كان الهدف الإصلاح - غير الانقلابات تلو الانقلابات، والدماء تصطفق مع الدماء؟! ومَن المسؤول عن هذه الأحداث التي تحطم كيان العرب، وتهدُّ قواهم؟!
ولو أن هذه الأموال التي تذهب في إحداث الانقلابات، وتثبيت الحكم، أقيمَ بها مشاريع، وأُسستْ بها مصانع، ورُفع بها من مستوى الفلاح والفقير في العالم العربي، أليستْ حينئذٍ أجدى وأنفعَ؟! وهذه السواعد القوية، والنشاط المتدفق حيوية، لو صرفتْ إلى أعمال البناء والتشييد، ألم يكن أولى من بعثرتها في ثورات وانقلابات؟!
ولو أن الحكام أتاحوا فرصة التعبير لمن يريد النقد والمعارضة، وحاولوا تصحيح الأخطاء،
(1) اليمامة، العدد 436، في 5/ 7/1383هـ.
(2) بعد ثلاث سنوات ونصف استبانت الحقيقة لكل ذي عينين، عندما ألحق العدو بالعرب هزيمةً نكراء، ما برحوا يتجرعون غصصها، وعسى أن تكون دافعًا لتلافي الأخطاء والاستعداد.