فهرس الكتاب
ثورات دموية [1]
شهدتْ منطقة الشرق الأوسط في السنوات الماضية ثورات، جاءت ردَّ فعلٍ لبعض الأوضاع السيئة، والتذمُّر من تصرفات الحاكمين وأعوانهم، وقد صاحَب هذه الثوراتِ دعاياتٌ وأقاويل، ومهَّد لها تحريضاتٌ كلامية من إذاعات وصحف خارج حدود تلك البلدان، وقد انخدع كثيرٌ من الشباب بتلك الدعايات البراقة، وصدَّقوا ما زعمتْه، وظنوا أن تلك الثورات ستحل مشاكلَهم، وتعود عليهم بالرفاهية والرغد، وخالوها ورودًا ورياحين، ولكن ما أن هدأتْ عاصفة العواطف المخدوعة، حتى شكَّتْ فيما قيل من مبالغات عن الأوضاع السالفة، وما أمَّلتْه من الثورات الجديدة من آمال عِذاب.
وبدأتْ تنكشف الأغشية عن العيون، فإذا هي ترى ما لم يكن لها في الحسبان، وإذا هي ثورات دمويَّة رهيبة، طابعها القسوةُ الفظيعة، والوحشية الناشبة أظفارها، وإذا هي في الأغلب شيوعية حمراء، لا تقيم للفرد وزنًا، ولا ترعى للإنسان كرامةً، ولا تحترم أديانًا ولا مقدساتٍ.
وعرفت تلك البلدان أساليبَ فظيعةً لم تكن تعرفها، وأضافتْ إلى قواميسها اللغويةِ ألفاظًا ما كانت لتدري عنها شيئًا: عرفت السحل، بعد أن رأتْه يطبق عيانًا، وشهدتْ حق العلماء والشرفاء بدعوى أنهم رجعيون متعصبون، ورأت ألوانًا من التعذيب والهمجية!
وتمنَّتْ أن لو صبرتْ على كل ما قيل عن أولئك المسؤولين قبل الثورة مهما كان الأمر، وأدركتْ أن الأكاذيب والتضليلات وحرب الإذاعات قد زجَّتْ بهم في هوة سحيقة، لا يعرفون كيف الخلاص منها؟ ومتى؟ وهي ثورات قد فرضت القوة البوليسية، والحكم العسكري عليها قسرًا، ونشرتْ بينها الرعب والقلاقل، وأمعنتْ في الطغيان والجاسوسية والاعتداء، ونحن لا نحبذ تصرفات أولئك الحاكمين السابقين جميعًا، وإنما نريد أن نكون في حال الوعي والإدراك، تمكننا من معرفة الطريق السوي لحل مشاكلنا، وألاَّ نظل إمعات،
(1) اليمامة، العدد (348) ، في 29/ 5/1382هـ.