مقدمة
1 -الحمد لله الفعال لما يريد، للذي يبدئ ويعيد، ويسمع دعاء القريب والبعيد، ويحيط علمه بالطريف والقليد، وأشهد إلا إله إلا الله أنزل القرآن المجيد، وقسم عباده إلى شقي وسعيد.
وأشهد أن سيدنا محمدا أرسله الله بالوعد والوعيد، وأيده بالنصر والتأييد فمضى في دعوته بعزم ثابت أكيد، وسوى في معاملته بين الأحرار والعبيد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ذوي الخلق الحميد، والعقل الرشيد والفعل السديد صلاة دائمة لا تنفذ ولا تبيد.
2 -أما بعد! فقد دعت الحاجة إلى وجود الوزارات في الدول، لأن رئيس الدولة يعجز وحده عن إقامة نظام يطبق على جميع أفراد الرعية، ولا يستطيع أن يسوس الدولة بفرده، وإنما يحتاج دائما إلى من يساعده ويعاونه في تدبير شئون الدولة، بل إن الأنبياء والرسل كانوا يحتاجون إلى المعاونين والمساعدين، فنبي الله (موسى) عليه السلام طلب من ربه أن يجعل له وزيرا من أهله، فقال: (واجْعَل لِّي وزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَرُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) [1] . وأجابه الله سبحانه إلى طلبه عز اسمه: (ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَرُونَ وزِيرًا) [2]
واحتاج رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إلى من يعاونه من البشر في تدبير شئون الدولة، ويساعده في نشر الدعوة، فكان بعض أصحابه المقربين بمثابة وزراء له. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه لم يكن قبلي نبي إلا قد أعطى سبعة رفقاء نجباء وزراء. وإني أعطيت أربعة عشر: حمزة، وجعفر، وعلي، وحسين، وحسن، وأبو بكر، وعمر، والمقداد، وعبد الله بن مسعود، وأبو ذر، وحذيفة، وسلمان، وعمار وبلال [3] . وفي رواية أخرى - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس من نبي كان قبلي إلا قد أعطى سبعة نقباء وزراء نجباء، وإني أعطيت أربعة عشر وزيرا نقيبا، سبعة من قريش وسبعة من المهاجرين [4] . ويبدو أن النبي كان يستشير هؤلاء الوزراء، ويسند إليهم بعض الأعمال [5]
3 -فالوزراء حبأ الملك، لا يستغنى عنها الأنبياء ولا الرسل ولا رؤساء الدولة، لأن الوزير جليس الحاكم وخاصته، وهو يحمل ثقله ويعينه برأيه، ويدبر شئون دولته، فالوزارة هي المنصب الثاني بعد منصب رئاسة الدولة، والوزير إنسان في منصب مختلف الأطراف، إذ يدبر غيره من الرعايا ويدبره رئيس الدولة، فهو يقوم بسياسة رعيته وينقاد لطاعة رئيس الدولة، ويجمع بين سطوة مطاع وانقياد مطيع، قشطر فكره جاذب لمن يسوسه، وشطره مجذوب لمن يطيعه [6]
4 -وكان للوزارة في الدول الإسلامية دور عظيم وشأن كبير فاق في بعض الأحقاب دور رئيس الدولة. ومن ثم فقد اهتم بها المفكرون والعلماء والعقاد والأدباء فتناولوها بالبحث [7] ،
(1) سورة طه: الآيات من 29 - 32
(2) سورة الفرقان: الآية رقم 35
(3) إسناد هذا الحديث صحيح، رواه أحمد بن حنبل في: المسند بتحقيق أحمد محمد شاكر"طبعة دار المعارف بمصر -الطبعة الثانية جـ2 ص311، الحديث 1262"
(4) إسناد هذا الحديث صحيح، رواه أحمد بن حنبل (المسند- المرجع السابق جـ2 ص72، الحديث 665
(5) الدكتور فؤاد عبد المنعم أحمد والدكتور محمد سليمان داود: مقدمة قوانين الوزارة للماوردي المطبعة العصرية بالإسكندرية، الطبعة الثانية سنة 1398هـ- 1978م، الناشر: مؤسسة شباب الجامعة ص26
(6) أبو الحسن على بن محمد بن حبيب الماوردي: أدب الوزير المعروف بقوانين الوزارة وسياسة الملك -دار العصور للطبع والنشر- الناشر مكتبة الخانجي بمصر -الطبعة الأولى- سنة 1348هـ -1929م، ص2
(7) ظافر القاسمي: نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي"الحياة الدستورية"- طبعة دار النفائس ببيروت- الطبعة الثانية سنة 1397هـ- 1977م، ص409