فهرس الكتاب
وبعض الذين ينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية في هذه الأيام يفهمون الشريعة على أنها قطع يد السارق أو جلد بعض الزناة وشاربي الخمر ثم لا شيء بعد ذلك، وكلما أوغل الحاكم في قطع الأيدي أو جلد الظهور كان أكثر تطبيقا للشريعة من سواه.
كلا .. أن الشريعة الإسلامية كل لا يتجزأ. نظام شامل نظرية عامة في العبادات والمعاملات والقضاء والحدود والأخلاق أيضًا. هي كل بوسائلها وغاياتها وعلينا أن نضع كل جزء منها في موضعه الصحيح، فليس هناك جزء أولى بالتطبيق من غيره، فلا نستطيع القول، أن الشريعة هي العبادات وحدها أو المعاملات وحدها أو الحدود وحدها. نعم هناك مجال للاجتهاد في تطبيق بعض النصوص التي شرعت لتحقيق مصالح معينة أو شرعت في ظروف معينة، وهناك مجال أيضًا للمفاضلة بين الوسائل التي تؤدي إلى غاية واحدة، ولكن ينبغي أن يكون من يتصدى لهذا الاجتهاد وتلك المفاضلة ممن تتوفر فيه شروط الاجتهاد بما له من باع طويل ودراسة مستفيضة في مصادر الشريعة الإسلامية ويكون ممن ينطبق عليه وصف أهل الحل والعقد.
أن هناك حاجة ماسة إلى تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي انطبعت في أذهان الكثيرين عن الشريعة الإسلامية ولكن لا يمكن أن يتأتى هذا التصحيح إلا بفهم دقيق لغايات الشريعة ومقاصدها من تشريع الأحكام وكذلك النظر في الوسائل التي أقامتها الشريعة للوصول إلى تلك الغايات ثم بعد ذلك توضع الوسيلة في مكانها والغاية في موضعها اللائقين بكل منهما.
وقد يسأل سائل: إذ1 كانت الوسيلة تأخذ حكم الغاية فما هو الأثر العملي ال1ي يترتب على هذه التفرقة بين الوسيلة والغاية .. ؟
وللإجابة عن هذا التساؤل نقول: أن الأثر العملي لهذه التفرقة يتمثل فيما أولاه الشارع من الغاية والاهتمام بشأن الغاية والسعي إلى تحقيقها بلك وسيلة ممكنة ولم يعهد منه مثل ذلك في جانب الوسائل.
فقد رأينا كيف اهتم فإقامة الصلاة وحث عليها ولم يرخص في تركها مثلما رخص في كل من الصوم والحج وغيرهما من الوسائل الأخرى.
كما يتمثل هذا الأثر لهذه التفرقة في جواز حلول وسيلة محل وسيلة أخرى، كما في الوسائلي التي لها بديل واحد أو أكثر، في حين لا يصح حلول غاية محل غاية أخرى.
كما أنه يصح المفاضلة بين وسيلة ووسيلة أيهما أقرب سبيلا لتحقيق الغاية، ولا يصح ذلك في باب الغايات، قد يحدث إرجاء غاية من الغايات لبعض الوقت ولكن لا يصح إسقاطها ولا التخلي عنها لأي سبب من الأسباب.
فتحرير الرقيق مثلا غاية من الغايات التي قصد الشارع إليها وتشوف إلى تحقيقها، ولكنه لم يفعل ذلك مرة واحدة بل سلك لتحقيق ذلك مسلك التدرج والتمهل لأسباب اقتضت ذلك.