فهرس الكتاب
خاتمة
لبيان أهمية التمييز بين الغاية والوسيلة
أن التمييز بين ما هو غاية وما هو وسيلة في التشريع الإسلامي من الأهمية بمكان، بل لا نكون مبالغين إذا قلنا أن له أهمية كبرى ولأن من لا يميز بين الوسيلة والغاية لا يمكن أن يفهم ما يقصده الشارع من تشريعه لحكم من الأحكام، وإنما يكون شأنه شأن من يتمسك بالظواهر ولأشكال دون المعاني والروح الذي يكمن وراء النص.
ولقد فهم الصحابة هذه الحقيقة فلم يقفوا عند ظاهر النص بل غاصوا إلى باطنه وثبروا غوره، فعندما احتج مانعوا الزكاة بقوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيهِم بِهَا وصَلِّ عَلَيْهِمْ .. الآية) وقالوا أن الله قد اشترط إعطاء الصدقة بصلاة الرسول على صاحبها، ومعلوم أن غيره عليه السلام لا يقوم مقامه في ذلك فلا تجب الصدقة حينئذ حسب زعمهم، فرد الصحابة عليهم هذا التأويل الفاسد بأن القصد من تشريع الزكاة هو سد خلة الفقير كما قال تعالى (إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ والْمَسَاكِينِ) .
وعندما جاء بعض المؤلفة قلوبهم إلى أبي بكر يلتمسون منه مالا، فكتب لهم خطا بذلك، فمزقه عمر وقال لهم: هذا شيء كان يعطيكموه رسول الله تأليفا لكم، والآن قد أعز الله الإسلام وأغنى عنكم، فإن تبتم وإلا فبيننا وبينكم السيف، ووافقه أبو بكر على اجتهاده.
فعمر لم يقف عند ظاهر النص بل نظر إلى العلة التي شرع عندها هذا الحكم وقد زالت الآن هذه العلة فلم يستمر العمل بهذا الحكم .. ؟
ونحن في هذا العصر وبعد أن اختلط على كثير من المسلمين تمييز الغاية من الوسيلة فصاروا ينظرون إلى الوسيلة وكأنها غاية في ذاتها، فأصبحت الصلاة في نظرهم مجرد حركات يقومون بها وأذكارًا تلوكها ألسنتهم دون أدراك لمغزاها، ولما ترمى إليه من الانتهاء عن الفحشاء والمنكر وأنها صلة بين العبد وربه فيقف بين يديه في خشوع وتدبر لما يقول، وكذلك الصوم صار لديهم غاية في حد ذاته دون التفات إلى ما يرمي إليه من تهذيب للنفس ومراقبة لله تعالى، فأصبح عندهم مجرد امتناع عن الطعام والشراب ثم ينتهي الأمر عند هذا الحد ولا يبالون بعد ذلك أتحقق الأثر المطلوب أم لا .. ؟ بل ربما علل بعضهم عصبيته وحدة طباعه بالصوم، ونسوا قوله عليه السلام (الصوم جنة) وقوله (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) .
وكذلك الزكاة أمست مجرد واجب يؤدونه سواء أخذه من مستحق أو لا، وسواء انتفع به الفقير أو لم ينتفع المهم أن يخرج الواجب ويتخلص من تبعته.
والحج بات رحلة مجرد رحلة يعود منها الحاج مثل ما ذهب دون اعتبار بما رأى أو اتعاظ بما شاهد المهم أنه أصبح يحمل لقب الحاج.