الصفحة 33 من 35

أما فيما يتعلق بتلك الحالة الوحيدة التي أجازت فيها الشريعة التوسل بالخديعة والقاصرة على حالة الحرب فذلك مشروط بما إذا سلك العدو الذي نحاربه هذا المسلك، فحينئذ ينبغي علينا أن نعامله بنفس أسلوبه قال تعالى في سورة الأنفال (وإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخَائِنِينَ) .

قال ابن العربي: فإن قيل كيف يجوز نقض العهد مع خوف الخيانة والخوف ظن لا يقين معه، فكيف يسقط يقين العهد مع ظن الخيانة، فالجواب من وجهين.

أحدهما: أن الخوف قد يأتي بمعنى اليقين، كما قد يأتي الرجاء بمعنى العلم قال الله تعالى: (مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقَارًا) .

الثاني: إذا ظهرت آثار الخيانة وثبتت دلائلها، وجب نبذ العهد لئلا يوقع التمادي عليه في الهلكة، وجاز إسقاط اليقين هنا ضرورة، وأما إذا علم اليقين فيستغنى عن نبذ العهد إليهم، وقد سار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة عام الفتح، لما أشتهر منهم نقض العهد من غير أن ينبذ إليهم عهدهم، والنبذ: الرمي والرفض، وقال الأزهري: معناه إذا عاهدت قوما فعلمت منهم النقض بالعهد فلا توقع بهم سابقا إلى النقض حتى تلقى إليهم أنك قد نقضت العهد والموادعة، فبكونوا في علم النقض مستويين، ثم أوقع بهم. قال النحاس: هذا من معجز ما جاء في القرآن مما لا يوجد في الكلام مثله على اختصاره وكثرة معانيه، والمعنى: وإما تخافن من قوم بينك وبينهم عهد خيانة فانبذ إليهم العهد، أي قل لهم قد نبذت إليكم عهدكم، وأنا مقاتلكم، ليعلموا ذلك فيكونوا معك في العلم سواء، ولا تقاتلهم وبينك وبينهم عهد وهم يثقون بك، فيكون ذلك خيانة وغدرًا [1] .

وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة) .

قال فقهاء المالكية: إنما كان الغدر في حق الإمام أعظم وأفحش منه في غيره لما في ذلك من المفسدة، فإنهم إذا غدروا وعلم ذلك منهم ولم ينبذوا بالعهد لم يأمنهم العدو على عهد ولا صلح، فتشتد شوكته ويعظم ضرره، ويكون ذلك منفرًا عن الدخول في الدين، وموجبا لذم أئمة المسلمين، فأما إذا لم يكن للعدو عهد فينبغي أن يتحايل عليه بكل حيلة، وتدار عليه كل خديعة، وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: (الحرب خدعة) ، وقد اختلف العلماء هل يجاهد مع الإمام الغادر، على قولين، فذهب أكثرهم أنه لا يقاتل معه، بخلاف الخائن والفاسق، وذهب بعضهم إلى الجهاد معه، والقولان في مذهب المالكية [2] .

(1) ص860 جـ2 أحكام القرآن لابن العربي

(2) ص2872 جـ4 تفسير القرطبي ط. الشعب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت