(الحمدلله في الأعالي ، وعلى الأرض إسلام ! وللناس أحمد) (1)
إن الذي فتح عيني هذا المحرر الفقير ، ووهب له مفتاح أبواب خزائن الإنجيل ، وكان له دليلًا في تتبع الأديان الأخرى ، وإمعان النظر في الإنجيل مرة أخرى ، هو هذه الآية آية الآيات الإلهية .
اني مطمئن بان هذه الآية الجليلة ستبعث اليقظة مع الحيرة والدهشة في قلوب كثير من المسيحيين كما وقع ذلك لي لأني واثق بأنه يوجد في هذه الملة اليوم أناس كثيرون برءاة من التعصب والسفسطة ، وانهم لا يتأخرون عن الإذعان والتصديق للكلام الحق ولا يترددون في قبول الفكر الصحيح وقتًا ما (2)
(1) في الترجمة العربية: وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة ، والمؤلف يعلم هذا ونقله فيما يأتي ولكنه يقول هنا أن الأصل الصحيح هو ما قاله ثم شرحه في التفصيل الآتي أ هـ مصححه .
(2) ... لا يخفى على العاقل شأن هذا الباب الذي فتحه المؤلف من حيث أشغاله على أبحاث لغوية وبيان لمعاني بعض الألفاظ اليونانية الواردة في كتب العهد الجديد وذكر مترادفاتها ومشتقاتها في اللغات السريانية والكلدانية والعبرانية في كتب العهد القديم ، مما يجهله اكثر علماء الدين من المسلمين ومما لم يعقله أو ينتبه إليه أو كتمه بعد أن عقله بعض علماء النصارى , ومن هذا البحث اللغوي يتضح مفصلًا أن لقب (مشتهى الأمم) الوارد في (حجي 6:2) هو بمعنى (احمد أو محمد ) فان الإسرائيليين يطلقون على أنفسهم لقب (شعب الله المختار أو الخاص) وعلى كل من سواهم التعبير (بالأمم) . كما تطلق العرب على غيرها من الأمم لقب (العجم) . وقد ذكر هذه البشارة مجملًا العلامة (السيد محمد رشيد رضا) في تفسير المنار (تفسير القرآن الحكيم(المجلد التاسع صحيفة 289) .
... قال تعالى في سورة طه { وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه } وأجاب بقوله تعالى { اولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } ومثله جاء في إنجيل يوحنا: 39:5 قول المسيح عليه السلام (فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية وهي التي تشهد لي) وليس من بينة ابلغ من البشارة المذكورة في الصحف الأولى ، لأنها دائمة وبرئيه من تهمة التزوير واحتمال السحر . خصوصًا إذا لم يمكن انطباقها على غير واحد . وان البشارات الدالة على حقية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم كثيرة . ومن أوضحها ما جاء في كتاب اشعيا بعد أن ذكر في أواخر الإصحاح 41 بعثة المسيح عليه السلام بقوله (لأورشليم جعلت مبشرًا) شرع في الإصحاح 42 بذكر عبدالله ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم وبعدد صفاته ، ولنذكر منها ما لا ينطبق إلا عليه صلى الله عليه وسلم (مع شيء من التصرف والشرح)
1-انه (عبدالله ومختاره) أي لا ابن الله ولا مساو لله كما تدعيه النصارى في المسيح .
2- (لا يرفع صوته في الشارع قصبة لا يقصف وفتيلة لا يطفئ) يعضده الله فلا يكل ولا ينكسر . وهذه حالته صلى الله عليه وسلم إلى ما بعد الهجرة . أما المسيح فيدعي النصارى انه قتل صلبًا وبذلك يجعلونه قصبه مقصوفة وفتيلة مطفأة ويقولون انه قال حين الصلب (الهي الهي لماذا تركتني . متى 46:27) أي أن الله لم يعضده .
3- (حتى يضع الحق في الأرض فيخرج الحق للأمم) وأما المسيح فلم يتمكن من وضع الحق في الأرض لان أتباعه تفرقوا عنه ولم يزل عالم النصرانية مغلوبًا حتى زمن قسطنطين الوثني الذي فعل النصرانية واهلها ما هو معلوم من التاريخ وذكر المؤلف خلاصته .
4- (تنتظر الجزائر شريعته) و (أن يغنوا للرب أغنية جديدة وتسبيح ..) وليس للمسيح شريعة جديدة فانه عليه السلام قال: (لا تظنوا أني جئت لانقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لانقض بل لأكمل(متى 17:5) فشريعة المسيح عليه السلام كانت شريعة موسى عينها . أما بولص فانه وان ابطل الشريعة الموسوية لم يثبت للمسيح شريعة غيرها بل عوض أتباعه بالنعمة فقط . وأما محمد صلى الله عليه وسلم فله اكمل الشرائع .
5- (دعاه الرب بالبر(أو بالنصر) وامسك بيده وحفظه كالجبار أخرجه كرجل حروب لنهض غيرته . يهتف ويصرخ ويقوى على أعدائه) وهذه حالة محمد صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة . ولم يكن المسيح كالجبار ولا رجل حرب ولم يقوا على أعدائه . ولا يقول النصارى أن في مجيئه الثاني سيحارب كالجبار بل بصورة حمل غضبان .
6- (ترفع البرية ومدنيها . الديار التي سكنها قيدار . تترنم سكان سالع . يهتفون ويعطون مجدًا للرب ويخبرون بتسبيحه في الجزائر) والبرية جزيرة العرب . ومدنها هي التي سكنها قيدار بن إسماعيل عليه السلام . (تكوين 13:25) .
7- (جعله عهدًا للشعب ونورًا للأمم . ليفتح عيون العمي ليخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة) .
... وكان صلى الله عليه وسلم مصداق العهد الذي أعطاه لإبراهيم عليه السلام بقوله (أما أنا فهو ذا عهدي معك وتكون أبا لجمهور من الأمم . تكوين 4:17) وجعل علامة العهد الختان (فتختنون في لحم غرلتكم . فيكون علامة عهدي بيني وبينكم . تكوين 11:17) وختن إبراهيم وإسماعيل حين لم يكن اسحق قد ولد (إسحاق الذي تلده لك سارة في هذا الوقت في السنة الآتية. فلما فرغ من الكلام . في ذلك اليوم عينه ختن إبراهيم وإسماعيل ابنه . تكوين 17: 21-26) .
... وكرر هذا العهد لشعب بني إسرائيل على لسان موسى عليه السلام (سوف أقيم لهم نبيا مثلك من بين اخوتهم واجعل كلامي في فمه . تثنيه 18:18) . وقد فصل هذه البشارة العلامة السيد محمد رشيد رضا في الجزء التاسع من تفسيره صفحة 251 بما لا مزيد عليه .
... وأما كونه صلى الله عليه وسلم نور الأمم فهم سوى بني إسرائيل كما مر . وهم مشركوا العرب وغيرهم وكانوا عميًا وجالسين في الظلمة فأثارهم بالقرآن العظيم وفتح عيونهم . وكذلك اخرج المأسورين للأصنام وأهل الكتاب المأسورين للأحبار والرهبان قائلًا لهم { يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابًا من دون الله } كما أخرجهم من ضيق العيش إلى الرغد ومن الجهل إلى العلم ومن التنازع إلى التحاب . وهكذا سيبقون ما لم ينكثوا عهد الله وميثاقه .
ومن اغرب العجيب أن أهل الكتاب لا يقتنعون بهذه البشارة ويرضون بتعطيل كتاب الله الذي يعتقدون انه من الله تعالى . وقد فكرت طويلًا فلم أجد سببًا لعنادهم إلا ارثهم البغضاء عن أمهم سارة لأولاد ضرتها هاجر . والله يهدي من يشاء أ هـ (مترجم الكتاب) .