الصفحة 14 من 381

ولابد أولًا من الإشارة إلى أن المداخل الفلسفية للموسوعة ، تمثِّل إضافةً حقيقية لوعينا الثقافى المعاصر .. فهى اجتهادٌ فكرى أصيل في زمنٍ يركن فيه أغلب مفكرينا إلى الاستهلاك الفكرى، بدلًا من الاجتهاد الأصيل في الأطُر النظرية، وبالتالى تأتى الكتابات ترديدًا للأصوات الأصلية في الغرب المعاصر، أو ترجيعًا لألحان تراثية قديمة .. وهو المأزق الذى لم يقع فيه د. المسيرى ، وإنما راح يؤسِّس لموضوعاته تأسيسًا نظريًا ، يستحق منا -بل يوجب علينا- مناقشته بجدِّية لا تقلُّ عن جدِّية طرحه .

فلْنبدأ من التأسيس النظرى ، الذى بدأ هو به .. والذى يمكن تسجيل عدة ملاحظات عليه . أولها أنه راح يؤسِّس لذاته من ذاته ، بمعنى انتقى من جملة الدلالات الخاصة بالحلول ، صيغةً محددة تبنَّاها -وأضاف إليها: الكمونية الواحدية- دونما التفات إلى تشابك الصيغة الحلولية مع مفاهيم أخرى كالاتحاد مع الله ، والوحدة .. ودونما تأطير تأريخى لمستويات الدلالة . فالحلولية عنده، هى الحلولية -مطلقًا- منذ الديانات البدائية التى اقترنت بها اليهودية في نشأتها ، حتى تأسيس دولة إسرائيل ! دائمًا هناك: حلولية كمونية واحدية . وكأن هذا النموذج التفسيرىِّ المسيرىِّ ، لابد وأن ينطبق دومًا في كل زمان ، وعلى كل جماعة يهودية .. وإذا أحصينا المرات التى تكرر فيها هذا التعبير (الحلولية الكمونية) فى الموسوعة ، فلن يقل العدد عن ألف مرة ! تعنى: ألف تفسير (مسيرى) لألف واقعة يهودية .. على الأقل .

وما القول إذن ، في الأنماط الأخرى من الحلولية التى ظهرت عند غير اليهود ؟ وما هى العمليات التساندية بين هذه الأنماط الحلولية جميعًا .. وكيف نفسر الإيقاع التوحيدى العالى عند موسى بن ميمون -مثلًا- في زمنٍ تزايد فيه التنويع اللحنى (الصوفى الإسلامى) على نغمات الحلول والاتحاد والوحدة ، أعنى إبَّان القرنين السادس والسابع الهجريين ، وقتما عاش موسى بن ميمون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت