ولعلى أتفقُ تمامًا مع د. المسيرى في أنَّ مفكرى اليهود كانوا -دومًا - مرآة ينعكس عليها فكر الجماعة التى عاشوا معها .. وقد أكَّد هو ذلك في غير موضعٍ من موسوعته . ومن ثمَّ ، فما هذا الإصرار على وصم اليهودية - طيلة تاريخها- بالحلولية ، وكأنها الديانة الوحيدة التى تغرس الحلولية في جبين الإنسانية على امتداد التاريخ ؟
إن الأساس النظرى الذى تنطلق منه (الموسوعة) صِيغَ منذ البداية صياغةً معيَّنة ، جاهزة للانطباق على التراث - والواقع- اليهودى ، من غير انتباهٍ إلى أنَّ هذه التفسيرات بعينها ، تقبل الانطباق على غير اليهود .. فمن الممكن - في مقابل طرح الموسوعة الخاصة - تطبيق المنظور نفسه على الإسلام ، انطلاقًا من نصوصٍ قرآنية مثل قوله تعالى {أَيْنمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله} ثم الدعم التاريخى لهذا التفسير استنادًا إلى عباراتٍ وأشعار الشيعة والصوفية ، للانتهاء من ذلك كله إلى أن الإسلام: مع أنه دين التوحيد ، إلا أن التوحيد كان دومًا في صراعٍ مع الحلولية ، ولهذا التناقض يصعب تعريف الهويَّة الإسلامية ! .. أعنى: مثلما هو الحال مع اليهودية .
إن الاهتزازة المنهجية التى وقعت فيها الموسوعة ، تتمثَّل في أنَّ صاحبها -وصاحبنا - بدأ يؤسِّس نماذجه التفسيرية ، وعينه على اليهود تحديدًا ، لا يرى غيرهم .. فإذا به في النهاية ، يرى اليهود بحسب ما انعكسوا به على مرآته هو، وبحسب نماذجه التفسيرية وحدها . وإلا ، ألم يكن من الممكن تأسيس هذه الأُطر النظرية في ذاتها ، ثم استخدامها استخدامًا عامًا ، يرى في المماليك مثلًا: جماعة وظيفية ، من دون ارتباط بالحلولية لدى هذه الجماعة ؟!