الصفحة 343 من 381

إذا كان الرازي عاش في زمن تطور فيه النظر الفلسفي، وكثرت فيه الردود على الفرق المختلفة، بمنهج المتكلمين الذي اختطه المعتزلة وطوره الأشاعرة، وزاد عليه الرازي حين دمج الكلام بالإلهيات، فإن ابن عاشور عاش في زمن يختلف تمامًا عن العصر السابق، وفي جميع مناحيه، سواء في جوانبه السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية، إذ أن زمن ابن عاشور شهد سقوط الخلافة الإسلامية، وبروز ظاهرة الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي، وما انجر عن ذلك من تمزق ثقافي دام قرابة القرنين، إضافة إلى ركام التخلف الذي تراكم عبر القرون، غير أن ما يميز عصر ابن عاشور أيضا ذلك الجانب المضيء منه؛ والمتمثل في جهود التجديد التي انطلقت على أيدي الأفغاني وعبده وتلاميذهما منذ نهاية القرن الميلادي الماضي، ويعتبر ابن عاشور أحد تلاميذ هذا الخط التجديدي، الذي حاول بعث بذور الوعي في الأمة على مختلف المستويات، فأفرز الاستقلال السياسي، إلا أن الاستقلال الثقافي والحضاري عموما، ما زال مطلبا وأملا تعمل له جهود المخلصين.

في ظروف مثل هذه، وبتأثير عوامل متعددة، نشأ ابن عاشور وتكونت شخصيته، واشتهر بمنهجه الأصولي التجديدي، الذي اتبع فيه خطى الشاطبي، واعتمد فيه على علم المقاصد بديلا منهجيا لقضايا الاجتهاد خلفا للمنهج التقليدي القائم على النظر في الجزئيات دون مراعاة الكليات التي جاءت الشريعة لتحقيقها (1) .

ومن بين أعماله التي تدل على هذا، تفسيره المسمى (التحرير والتنوير) الذي ألفه في خمسين عام (2) ، وكذا كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية) ، و (أصول النظام الاجتماعي في الإسلام) ، وغيرها من المؤلفات التي تبين عن شخصية ذات إطلاع واسع، واهتمامات متنوعة في مجال العربية والفقه والأصول والكلام والاجتماع وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت