وهذا هو موقف اللاأدرية القائلين بالتوقف في وجود كل شيء وعلمه، وهم- بموقفهم القائم على الشك- عاجزون عن التوصل إلى علم، أو إعطاء حكم، أو التوصل إلى يقين. وهو موقف هدام، يلغى المعرفة، ويبطل الحقائق، ويناقض الفطرة السليمة ويهدر قيمة العقل، ودوره في الفهم والاستنباط والكشف عن المجهول، وتصحيح أخطاء الحواس، بل أخطاء العقل نفسه.
وقد حاول المفكرون- قديما وحديثا- أن يظهروا خطأ هذا الموقف اللاأدرى، وأن يبطلوا أسسه، واجتهدوا في أن يلزموا أصحابه بأن الإنسان لا يمكن أن يخلو- تماما- من التسليم بوجود بعض الحقائق، وقد قطعوا هم أنفسهم ببطلان البديهيات والحسيات، ولم يشكوا في ذلك- وهم- بذاك- يناقضون أنفسهم- وكان مما قيل لإبطال رأيهم"قولكم: إنه لا حقيقة للأشياء: حَقُ هو أم باطل؟ فإن قالوا: هو حق أثبتوا حقيقة ما، وإن قالوا ليس هو حقا أقرُّوا ببطلان قولهم، وكفَوْا خصومهم أمرهم" (3) .
وقد خشى المفكرون الإسلاميون من تفشَّى هذا الموقف اللاأدرى الذى انتقل إلى الثقافة العربية الإسلامية. ضمن ما نقل في حركة الترجمة من ثقافات الأمم الأخرى، ولاسيما الثقافة اليونانية، وقد وقفوا لهذا الاتجاه، وجادلوا أصحابه، بسبب ما يمكن أن يترتب علّيه من آثار ضارة بالعلم والمعرفة والعقيدة الإسلامية، لأن إنكار الحقائق جملة، والتوقف في قبولها، سوف يكون سبيلا إلى إنكار حقائق الوحى التى جاء بها الأنبياء عليهم السلام. ولذلك جعلوا إثبات الحقائق والعلوم على الخصوص والعموم من أول الأصول التى يجب الإيمان بها، على عكس ما يقول السوفسطائيون، وقد وصفهم عبد القاهر البغدادى بالكفر، بسبب موقفهم المعاند لموجبات وقد لاحظ (4) .وقد لاحظ بعض المخالفين لهم أن رأيهما فيه مكابرة فيه للحس والعقل (5) . ومن شأن ذلك أن يجعل الجدال معهم ليس مضمون النتائج،ومن ثم فلا جدوى من مناظرتهم.