لست أجهل ما ينجم من الأضرار عن إشغال الوسط الذي لم يتكامل مستوى عرفانه بعد بالمسائل المختلف فيها كالدينية والسياسية ، ولهذا المحذور قد اجتنبت حتى الآن الخوض في المجادلات الدينية بقدر ما كنت أتحامى وأجتنب المنازعات السياسية ، ولكن لما شاهدت الفاجعة المدهشة التي ولدتها حروب البلقان الأخيرة ورأيت ما وقع من الفتك بالمسلمين وهتك أعراضهم وإهراق دمائهم ، وإحراق كتابهم ، فهمت أن ذلك لم يكن إلا بنية محو أهل الإسلام ، بصفة تقديم ضحايا للصليب . ولما كانت قد رسخت عقيدتي الكاملة منذ اثنتي عشرة سنة بان قضية قتل المسيح وصلبه عبارة عن أسطورة منتحلة ، قررت ان أكشف الستار عن هذه الفكرة بالأدلة القاطعة بصورة واضحة .
ان من يتدخل في المباحثات الدينية لاشك أنه يعرض نفسه لمصاعب وأخطار جمة ، وان من أكبر الخطأ الاعتداء على شعور أرباب الأديان ووجداناتهم ، ولاسيما الذين يؤمّنون معيشتهم في ظل الدين ، والمباهاة بالانتساب إليه ، فانهم لا يعفون عن مثل هذا التجاوز أبدًا .
يجب على من يختار أحد الأديان ويتصدى لنشره بين الناس أن يكون حائزًا على عدة صفات:
(أولها) ان يكون قد أتقن حسب الأصول دراسة عقائد وأحكام الدين الذي يرد عليه وينتقده ، وأستقرأ أصوله وفروعه ، وان يبين ما يشتمل عليه الدين الذي يدعو إليه من القدسيات الأخروية والمحسنات الدنيوية ، التي تؤمن السعادة الحقيقة المادية والمعنوية لنوع البشر ، بإظهار عقائده الممقولة ، وأحكامه الموافقة للمصلحة ، وأن يبرهن على حسن نيته، وعلى أنه لا مقصد له غير خدمة الإنسانية لا بمجرد القول ، بل بان يكون متصفًا بالأخلاق والآداب التي يلتزم نشرها وتعليمها . فان أقوال داعية الدين المتصف بهذه الصفات الجميلة يُصغى إليها دائمًا بصورة حسنة . وأما إن كان على ضد ذلك فلاشك في أنه يزيد الاختلاف والعداوة الدينية شدة.