وفى تحليلٍ فلسفىٍّ بديع لمفردات الحلولية الكمونية (الواحديَة) راح د. عبد الوهاب المسيرى يفسِّر الظواهرَ الأساسية في الفكر المعاصر -الغربى بالطبع- كالاهتمام الزائد بالجسد ، وتصوُّر الأرض على أنها (الأم) والرؤى الوثنية للكون وقصة الخلق - لامن عدم- والاقتران التخييلى (المجازى) بين الجسد/ الأرض/ الجنس / الثدى/ الرحم .. منتهيًا إلى ترجيح أن: فكر ما بعد الحداثة ، باستخدامه الأعضاء التناسلية كصورةٍ مجازيَّةٍ إدراكيَّةٍ أساسيَّة ، يشكِّل عودة للحلوليات الوثنية وعبادة القضيب والرحم .
الحلُولِيَّةُ اليَهُودِيَّةُ
بعد التأسيس النظرى ، والصياغة (الخاصة) لمفهوم الحلولية تأتى الموسوعةُ إلى (التطبيقات) فتوُجِّه القدرةَ التفسيرية للمصطلح نحو موضوعها الرئيس ، وهو اليهود واليهودية .. وهو ما نراه مشتَّتًا بين مجلَّداتِ وأجزاء الموسوعة ، ومنسحبًا على معطياتٍ عدَّة ، تبدأ من تاريخ الفلاسفة (أعضاء الجماعة اليهودية) حتى إشكاليَّاتِ العلاقة بين اليهودية والصهيونية والفكر الغربى المعاصر بمدارسه المختلفة.
ولقد اجتهد د. عبد الوهاب المسيرى في تطبيق مفهومه (الجديد) على المعطيات التى تعرَّض لها ، وبالغ في الاستفادة من المقدرة التفسيرية لمفهوم الحلولية الذى حاول به فكَّ شفرة التساندية القائمة بين موضوعات كنا دومًا نراها متشظيةً . فهو على سبيل المثال يكشف عن الصلة بين فيلون الفيلسوف السكندرى (اليهودى) الذى عاصر ميلاد المسيح ، و إسبينوزا الذى جاء بعده بسبعة عشر قرنًا ! بقوله: لاحظْنا أنَّ الفيلسوف أو المفكِّر من أعضاء الجماعة اليهودية ، يحقِّق ذيوعًا إن تحرَّك على أرضيةٍ حلوليةٍ كمونيةٍ (روحية على طريقة فيلون ، أو مادية على طريقة اسبينوزا) تجعل التمييز بين عقيدةٍ وأخرى ، أمرًا عسيرًا .. وهى ملاحظةٌ سوف نعود إليها - لمناقشتها- بعد قليل .