الصفحة 8 من 381

وهو يشير إلى أنه يضطر إلى إضافة كلمة كمونى إلى كلمة حلولى حتى يُزيد من القدرة التفسيرية والتحليلية للمصطلح ، والكمون عنده مقصودٌ به: الإنكار للحيِّز الإنسانى ، والسقوط التام في قبضة الصيرورة ، وإنكار أى وجود للكل المتجاوز .. وهو -كما نرى - تعريفٌ بحاجةٍ إلى تعريف ! وإن كان معناه قد يتضح في سياق كلام د. عبد الوهاب المسيرى ، بما مفاده أنَّ الكمون هو رؤية الله في الأشياء ، بمعنى أنه -تعالى- كامنٌ في خلقه .

ومع أنَّ هناك ، فيما يرى مفكِّرنا ؛ أشكالًا مختلفة من الحلولية الكمونية إلا أنه وَجَدَ الأَوْلى بالانتباه منها ، شكلين: الحلولية الكمونية الصلبة حيث يتركَّز الحلول في الإنسان فيصبح مركزًا للكون ، سواءً كان الإنسان هنا فردًا أو جماعة بعينها، أو الجنس البشرى بأسره .. ثم الحلولية الكمونية السائلة التى يتَّسع فيها نطاق الحلول حتى يشمل الكون بأسره ، فتصبح كلُّ الأشياء موضعًا للحلول: ومن ثَمَّ ، تتعدَّد المراكز ويصبح العالم لا مركز له .

ولا يفوِّت مفكِّرُنا ، د. عبد الوهاب المسيرى ؛ الفرصة لتأكيد أن الدين الإسلامى -وجوهره التوحيد - يضادُّ هذه المفاهيم الحلولية .. فالتوحيد؛ هو الإيمان بإلهٍ واحدٍ ، قادرٍ فاعلٍ عادلٍ ، قائمٍ بذاته ، واجبِ الوجود ، منزَّهٍ عن الطبيعة والتاريخ والإنسان ، بائنٍ عن خلقه ، مغايرٍ للحوادث .. مفارقٍ للكون يخلق حيِّزًا إنسانيًّا ، وحيِّزًا للطبيعة ؛ الأمر الذى يمنح الإنسان الاستقلالَ عن سائر الموجودات ، والمقدرةَ على الاختيار ، وعلى تجاوز عالمه المادى وذاته الطبيعية المادية .. ومن ثمَّ ، فإنَّ التوحيد هو عكسُ الحلولية الكمونية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت