غير أنَّ الحلاج عاد في مواضع أخرى ، فقال ما نصه: مَنْ ظَنَّ أنَّ الألوهيةَ تمتزج بالبشرية ، فقد كفر ! .. وقد تناولنا ذلك التناقض بشئٍ من التحليل في بحثٍ سابق .
أما الوحدة بالمعنى الاصطلاحى ، فتقال على معنيين . الأول: وحدة الوجود الفلسفية .. والآخر: وحدة الشهود الصوفية . والمعنى الأول قديم ، ظهر عند فلاسفة اليونان ، وفى العقيدة الفيدية ، ولدى بعض الفلاسفة المحدثين من أمثال ديدرو وهولباخ واسبينوزا . والمعنى الآخر ، ظهر عند فلاسفة الصوفية المسلمين - بدرجاتٍ متفاوته- من أمثال ابن سبعين وابن عربى وهو يتلخَّص عنده في رؤية الله (فقط) فى الكون ، وما عداه فهو غير حقيقى ، أو: غير موجود على الحقيقة ! وإنما تقوم الموجودات بنوعٍ من الإعارة الأُنطولوجية، أو (العارية الوجودية) من الوجود الحق: الله .
وقد رأينا لمفكِّرٍ عراقىٍّ معاصر ، هو عبد الجبار الوائلى محاولةً معاصرة
لبناء مذهب يسمِّيه هو (وحدة الوجود العقلية) مفاده أن الوجود بأسره ، ماهو إلا عقلٌ واحد متفاوتُ الدرجات ، متجزِّئٌ بين العقول الإنسانية البسيطة التى يتكوَّن من مجموعها: العقل العام الشامل .. الذى بحسب قوله: يحتوى كُلَّ شئ، ولا شئ يحتويه .
الحلُوليَّةُ عند المِسيرى
لم يتوقَّف د. عبد الوهاب المسيرى طويلًا لاستعراض المعانى المختلفة لمصطلح الحلول ، وما يرتبط به من مفاهيم متنوعة الدلالات على نحو ما رأيناه فيما سبق ، وإنما يُلمح -فقط- لأصل الكلمة ، ثم يحدِّد دلالة الحلولية بأن يضيف إليها كلمة الكمونية ويقول ما نصُّه: الحلولية الكمونية هى رؤية للواقع ، ترى أنَّ الإله قد حَلَّ في العالم، حتى أصبح الإله غير متجاوزٍ للعالم ، متوحِّدًا معه ومن ثَمَّ أصبح الإله والطبيعة والإنسان شيئًا واحدًا ، أى أن ثنائيات: الخالق والمخلوق ، الإنسان والطبيعة ، الكل والجزء ، العام والخاص .. تم إلغاؤها لتظهر الواحدية الكونية المادية .