الصفحة 6 من 381

وظهرت فكرةُ الاتحاد بالله ، أولًا، في المذاهب الهندية القديمة ؛ بمعنى فناء الإنسان في الله، أو ارتقائه حتى يصل - في لحظات مُعيَّنة- إلى الحضرة الإلهية .. وقد نُسب القول بالاتحاد مع الله ، إلى غير واحدٍ من الصوفية المسلمين، وأشهرهم أبو يزيد البسطامى (المتوفى 261هجرية) الذى أُثر عنه عباراتٍ يُفهم منها اتحاده بالله، مثل قوله: أول ما صرتُ إلى وحدانيته ، فصرتُ طيرًا جسمه من الأحدية وجناحاه من الديمومية ، فلم أزل أطير في هواء الكيفية عشر سنين .. إلخ .. ثم نظرتُ ، فعلمت أن هذا كله خدعة .

وفى قصيدةٍ شهيرة لعبد الكريم الجيلى نراه يدعو إلى الاتحاد بقوله:

وغُصْ في بحارِ الاتِّحادِ منزِّهًا عن المزجِ بالأغيار إذْ أنتَ شاجِعُ

أما الحلول لغةً ، فهو النزول ، يقال حَلَّ بالمكان يحلُّ حلولًا ، إذا نزل فيه .. لكن الكلمة لها حقولٌ دلالية واسعة ، اختلفت -وتطوَّرت- بحسب اختلاف وتطوُّر المِلل والنِّحل . ففى أنماط العبادة الطوطمية يعنى الحلول: وجود قوى إلهية أو روحية -فائقة للطبيعة- في حيوانٍ أو إنسان . وفى عقيدة التناسخ ، يعنى الحلول انتقال الروح الإلهى في الكائنات الإنسانية عند موت إنسان وميلاد آخر . وفى المسيحية نوعٌ من الحلول السريانى -بحسب تسمية الجرجانى - الذى يعنى الاتحاد بين الإله والإنسان ، بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما ، عين الإشارة إلى الآخر . وقد ظهرت هذه المسألةٌ في التراث المسيحى بوضوح ، حتى أن بعض الأناجيل جاء على غلافها -صراحة- أنها: كتاب الإنجيل ، لربنا

يسوع المسيح !

وفى الإسلام ، وعلى الرغم من الرفض القاطع لفكرة الحلول .. إلا أنَّ القول به -أو الاتِّهام باعتقاده- نُسب إلى عدة فرقٍ وجماعات ، منها غُلاة الشيعة، وبعض الصوفية . وقد استخدم الحلاج المقتول سنة 309 هجرية، الكلمة على نحوٍ جرئ ، حين قال في شعره:

أنا مَنْ أَهَوْىَ ومَنْ أَهْوَى أَنَا نحن رُوحَانِ حَلَلْنا بدَنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت