فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 39

حتي تصيرعلى قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مُرْبَادّا [1] كالكوز مُجَخيِّا [2] لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه" [3] ."

جعل الله قلوبنا بيضاء، وطهرها من المعاصي والرذائل والشبهات. ففي الحديث التعبير بالفعل المضارع (تعرض) ، وهو هنا يدل على استمرار البلاء والامتحان: كما أن هذه الفتن لا تأتي دفعة واحدة، وإنما شيئا فشيئا حتى يصبح القلب أسود -والعياذ بالله- أو يسلمه الله فينجح في الامتحان فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:"فالنفس تدعو إلى الطغيان، وإيثار الحياة الدنيا. والرب -جل وعلا- يدعو عبده إلى خوفه، ونهي النفس عن الهوى، والقلب بين الداعيين [4] وهذا هو موضع الفتنة والابتلاء."

ملحوظة:

وها هنا ملحوظة مهمة، وهي أن بعض المشتغلين بالدعوة وطلب العلم يظنون أن غاية الابتلاء والامتحان هو الأذى الجسدي: من سجن وتعذيب وأسر وقتل، وغيرها، أو أذىً معنوي من: مقاطعة الناس له، أو عدم استجابة، أو سخرية واستهزاء به، وغيرها، وهذا قصر لمفهوم الابتلاء على بعض أنواعه، وإلا فإن أشد أنواع الابتلاء هو ابتلاء هذا القلب وامتحانه، وكم رأينا ممن نجح في امتحان الأذى. والتعذيب، لكنهم أخفقوا في امتحان القلب! ولذلك كان من دعاء الراسخين في العلم: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [5] [سورة آل عمران، الآية: 8] .

(1) - مربادًا أي: شديد السواد في بياض.

(2) - مجخيا أي: كالكأس المنكوس، لا يعلق به خيرا وحكمة.

(3) - رواه مسلم (1/ 128 - 129) .

(4) - انظر رسالة مرض القلب وصحته.

(5) - سورة آل عمران آية: 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت