وقعت فيه اليهود والنصارى والصابئة، وكل انحلال عرفت به فرق التبطن والإلحاد والزندقة، وكل ضلال وبدعة وخرافة تفوهت بها فرق الضلال المعاصرة.
أخذوا من اليهود خستهم، ومن النصارى ضلالهم وغلوهم، ومن المجوس جل معتقداتهم، ومن الملاحدة تقيتهم ونفاقهم.
وأخذوا عن الجهمية تجهمهم، وعن القدرية - مجوس الأمة - بدعتهم، وعن المعتزلة الضالة اعتزالهم، وعن الخوارج حمقهم ونزقهم.
وأعلمته أن الإمامية الإثني عشرية قوم لم يدعوا ضلالا إلا وتلقنوه، ولا جهلا وخرافة إلا وآمنوا بها وأيقنوا بحدوثها، ولا غيا وخسة وخيانة إلا وتدثروا بها، ولا غلوا إلا وأخذوه، فهم شيعة الشياطين، وهم شياطين الإنس، وهم المنافقون حقا، يدعون الإيمان ويبطنون الكفر والزندقة، ويدلسون على المؤمنين الأتقياء دينهم، ويأخذون بأيديهم من الإيمان إلى الكفر، ومن اليقين إلى الشك، ومن الراحة إلى الحيرة والتيه، وليس لنا فيهم عزاء سوى قول الله تعالى (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا) . فأثلج هذا الكلام حر الحيرة في دماء صاحبي، وعادت له ثقته بإسلامه وإيمانه وتقواه، ومشى من عندي على خير حال وترضى عن الصحب الكرام.
وفي اليوم التالي جاءني ساعيا، وقال إن القوم مجتمعون، وهم لك الآن منتظرون، وعلى مناظرتك مصممون، فأحزم الأمر، واعزم الرأي، وتوكل على الله، وعلى الله فليتوكل المتوكلون.
فقلت له: إن هؤلاء قوم غلبت عليهم أهواءهم إلى أقصى حد، فلا يوجد عندهم مجال لأن يسمعوا الحق من أحد.
وهم أكذب الخلق، يرون الكذب دينا وعبادة، وقربة وفضيلة، ومتى كان الكذب في صنف من الناس لم يسمعوا الحق، وإن سمعوا فلا يعتبروا وهم قوم مخادعون يظهرون غير ما يبطنون، ويبطنون خلاف ما يظهرون فلن نصل معهم بالمناظرة إلى فائدة ترجى.
وأضف إلى ذلك أنهم قوم لا عقول لهم فيتعظوا ويتدبروا، ولا نقول لهم صحيحة فنرجع إليها ونحاججهم بها، وهم لا يعيشون ولا يدينون إلا بعواطف خادعة كاذبة خاطئة يحركها إبليس الرجيم، وحمية جاهلية لا تكون إلا عند الكافرين، وخرافات وأساطير لا يقبلها عقل ولا دين، وهم بتلك العواطف والخرافات والأساطير معجبون مفتونون، فأنى يجدي معهم النقاش والمناظرة؟!
الشاهد: لم يفلح ذلك كله مع صاحبي وسيقت إلى المناظرة سوقا، وذهبت إليها رغما، وكانت المناظرة لي من الله عز وجل قدرا مسبقا.
وقد طالت تلك المناظرة حتى تناولت أكثر جوانب الخلاف، واستمرت على مدى يومين متتاليين من العشاء إلى صلاة الفجر.
وقد كنت بحمد الله عز وجل وفضله ومنته موفقا، بتوفيق الله وحده، وجرى بحمد الله عز وجل على لساني الحق سهلا ميسرا، بتيسير الله وحده، حتى كان في نهاية المناظرة أن