فهرس الكتاب
قال الإمام النووى: قوله: « إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه » ، وفى رواية « ببعض بكاء أهله عليه » ، وفى رواية «ببكاء الحى » ، وفى رواية « يعذب في قبره بما نيح عليه » ، وفى رواية « من يبك عليه يعذب » ، وهذه الروايات من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهم وأنكرت عائشة ونسبتها إلى النسيان والاشتباه عليهما، وأنكرت أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم قال ذلك، واحتجت بقوله تعالى: { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } ، قالت: وإنما قال النبى صلى الله عليه وسلم في يهودية أنها تعذب وهم يبكون عليها، يعنى تعذب بكفرها في حال بكاء أهليها لا بسبب البكاء [1]
(1) واختلف العلماء في هذه الأحاديث، فتأولها الجمهور على من وصى بأن يبكى عليه ويناح بعد موته، فنفذت وصيته، فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم، لأنه بسببه ومنسوب إليه، قالوا: فأما من بكى عليه أهله وناحوا من غير وصية منه، فلا يعذب لقول الله تعالى: { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } .
قالوا: وكان من عادة العرب الوصية بذلك، ومنه قول طرفة بن العبد:
إذا مت فانعينى بما أنا أهله ... وشقى علىّ الجيب يا ابنة معبد
قالوا: فخرج الحديث مطلقًا حملًا على ما كان معتادًا لهم.
وقالت طائفة: هو محمول على من أوصى بالبكاء والنوح، أو لم يوص بتركهما، فمن أوصى بهما أو أهمل الوصية بتركهما، يعذب بهما لتفريطه بإهمال الوصية بتركهما، فأما من وصى بتركهما فلا يعذب بهما، إذ لا صنع له فيهما، ولا تفريط منه، وحاصل هذا القول إيجاب الوصية بتركهما، ومن أهملها عذب بهما.
وقالت طائفة: معنى الأحاديث أنهم كانوا ينوحون على الميت، ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم، وتلك الشمائل قبائح في الشرع يعذب بها، كما كانوا يقولون: يا مؤتم الولدان، ومخرب العمران، ومفرق الأخدان، ونحو ذلك مما يرونه شجاعة وفخرًا وهو حرام شرعًا.
وقالت طائفة: معناه أنه يعذب بسماعه بكاء أهله، ويرق لهم، وإلى هذا ذهب محمد بن جرير الطبرى، وغيره.
وقال القاضى عياض - وهو أولى الأقوال -: واحتجوا بحديث فيه أن النبى صلى الله عليه وسلم زجر امرأة عن البكاء على أبيها، وقال: « إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم » .
ذكره الحافظ ابن حجر في فتح البارى"جزء حديث"، وقال: هذا طرف من حديث طويل، حسن الإسناد، أخرجه ابن أبى خيثمة، وابن أبى شيبة، والطبرانى، وغيرهم ؛ وأخرج أبو داود والترمذى أطرافًا منه، فتح البارى، 3/185 عن قيلة بنت مخرمة.
وقالت عائشة رضى الله عنها: معنى الحديث أن الكافر، أو غيره من أصحاب الذنوب، يعذب في حال بكاء أهله عليه بذنبه لا ببكائهم، والصحيح من هذه الأقوال ما قدمناه عن الجمهور، وأجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم على أن المراد بالبكاء هنا البكاء بصوت ونياحة، لا مجرد دمع العين. =
= صحيح مسلم بشرح النووى، 6/229،228 ؛ راجع أيضًا: فتح البارى، 3/183-185.