الصفحة 57 من 71

والنص على القياس، والقياس الجلي على الخفي وهكذا [1] . إلا أن دعاة التجديد المزعوم أَبَوا إلا الانفلات من تلك الأصول ضاربين بقواعد الشرع والعقل عرض الحائط، وعدوا كل ما ذكر في كتب الفقهاء من آراء واختلافات حججًا شرعية، يتخير منها المسلم ما يناسب واقعه بما يحقق مصلحته، فالمرجع هو الظرف فقط، فما يهجر اليوم، قد يرجّح غدًا. وليتهم اقتصروا في ذلك على المذاهب الفقهية لأهل السنة، بل ضموا إليها مذاهب أهل البدع [2] ، وما قالوا ذلك اعترافًا بتلك المذاهب أو احترامًا لأصحابها، وإنما اتخذوها قناعًا يتسترون خلفه ليقولوا ما شاءوا في دين الله ثم يبحثوا عن رأي شاذ أو مرجوج يؤيد وجهتهم ليحتجوا به على ضلالهم، ويلبسوه مسوح الإسلام، ويخلعون عليه اسمه. يقول أحدهم واصفًا طريق الإصلاح المزعوم:"إن هذا الإصلاح يتطلب التسليم بكل ما قالت المدارس الفقهية، على اختلافها وتناكرها حتى الضعيف منها، وبقطع النظر عن أدلتها ... ويتأسس على هذا المقترح، أنه في حال واجهتنا مشكلة من مشاكل اليوم، أو نازلة من النوازل، نأخذ الحل من هذا المنجم الفقهي، بقطع النظر عن قائله أو دليله، وبتغير الظرف يتغير الحكم المعتمد، وذلك بشكل أنَّ ما رجحناه من قبل نجعله مرجوحًا، ونأخذ بمقابله الذي هجرناه، فالمرجع إذًا هو الظرف فقط، ما دمنا قد سلمنا بأقوالهم جميعًا وقبلناها جميعًا، فما هجرناه اليوم من قول في مسألة ما، ثم اقتضاه الظرف بعد حين، نعمد إلى ترجيحه، والأخذ به ولا عجب، فالأحكام تتغير بتغير الزمان والمكان، والمقتضى في كل ذلك هو التيسير، وهما كليتان فقهيتان لا مجال للريب فيهما" [3] . ولا أدل على بطلان هذا المنهج من تناقض أصحابه، فهذا المنهج تقليد محض، وتتبع لزلات العلماء، ورخص الفقهاء، لاعلاقة له بالاجتهاد لا من قريب ولا من بعيد، فكيف يزعم أصحابه أنهم يجتهدون ويجددون؟ ولقد تصدى العلماء قديمًا للقائلين بجواز تتبع الرخص في فتاوى العلماء. يقول الإمام الذهبي:"ومن يتتبع رخص المذاهب وزلات المجتهدين فقد رق دينه" [4] . ويقول ابن القيم:"لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح، ولا يعتد به، بل يكتفي في العمل بمجرد كون ذلك قولًا قاله إمام أو وجهًا ذهب إليه جماعة، فيعمل ما يشاء من الوجوه والأقوال، حيث رأي القول وفق إرادته وغرضه عمل به، فإرادته وغرضه هو المعيار، وبها الترجيح، وهذا حرام باتفاق الأمة" [5] . وبهذا يتضح بطلان منهج أهل التجديد العصراني المنحرف في باب التعارض والترجيح، وأنهم أبعد ما يكون عن منهج التجديد الشرعي المستند إلى الكتاب والسنة، والله تعالى أعلم.

(1) ينظر:"شرح تنقيح الفصول"للقرافي ص (417 - 420) ، و"المستصفى"للغزالي (2/ 392) ، و"الإحكام"للآمدي (4/ 324) ، و"شرح الكوكب المنير"لابن النجار (4/ 599) ، و"شرح الورقات"لجلال الدين المحلّي ص (232،231) .

(2) كالإمامية والخوارج وغيرهم.

(3) "أين الخطأ"لعبد الله العلايلي ص (99) .

(4) "سير أعلام النبلاء" (8/ 81) .

(5) "إعلام الموقعين" (4/ 211) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت