فهرس الكتاب
ثانيًا: أن يكون عالمًا مجتهدًا:
فالمجدد تقابله وقائع ومستجدات ونوازل تحتاج إلى اجتهاد لاستنباط الحكم الشرعي لها؛ فكان من الواجب أن يكون المجدد من العلماء المجتهدين. ولا يقال إن هذا من باب التعسير ووضع العراقيل أمام عجلة التجديد إذ لا يقول هذا إلا مغرض أو جاهل؛ فإن الاجتهاد في العصور المتأخرة من الناحية العلمية الكسبية - لا من الناحية الشخصية الفطرية - أيسر بكثير مما سبق"فالاجتهاد على المتأخرين أيسر وأسهل من الاجتهاد على المتقدمين، ولا يخالف في هذا من له فهم صحيح أو عقل سوي" [1] . والمقصود: أن علوم الاجتهاد في هذه الأعصار أقرب تناولًا منها فيما سلف من أزمنة الأئمة النظار، إلا أنه لا يخفى أن الاجتهاد موهبة من الله يهبه لمن يشاء من العلماء" [2] . أضف إلى ذلك، أن الاجتهاد المشروط في المجدد ليس هو الاجتهاد المطلق، فلا يشترط إحاطته بجميع علماء الشرع، فالمشروط أن يكون المجدد مجتهدًا في الباب الذي يجدد فيه، فهذا مجدد في الحديث بعلومه مجتهد فيها، وذاك مجدد في علم الأحكام آخذ بزمامهِ، وآخر في الدعوة، وهكذا. وتجدر الإشارة إلى واقع كثير من دعاة التجديد العصري الخالي من هذا الشرط، فقد خارت عزائمهم فلم ينهضوا بطلب العلم، ودنت همتهم، فما استطاعوا الوصول إلى رتب العلماء، فأرادوا إنزالهم من عليائهم فقالوا:"هم رجال ونحن رجال"وتلك شنشنة معروفة من أخزم."
ثالثًا: أن يعم نفعه أهل عصره:
فالمجدد إنما جاء ليجدد للأمة أمر دينها فنفعه متعد يعم أهل عصره، فلا يموت حتى تترك جهوده التجديدية أثرًا كثيرًا في واقع الأمة، ليخطوا بها إلى شاطئ تستنشق على جنباته عبير منهج السلف وأريج عصر النبوة. فالعالم الذي يظل حبيسًا بين جدران مكتبته يقرأ لنفسه، ويحصل الشهادات ليضعها أمامه على مكتبه، دون أن يضطلع بعبء إحياء موات القلوب، ودون أن يحمل مسؤولية نشر هذا العلم بين عامة الأمة أو خاصتها، هذا العالم مهما بلغ من التحصيل لا يستحق لقب المجدد، فالعلم أبدًا ما كان غايةً مقصودة لذاتها، وإنما هو وسيلة لتعبيد الناس لرب العالمين.
المطلب الثاني: التعارض والترجيح: تميزت كتب أصول الفقه الإسلامي بذكر باب ترتيب الأدلة والترجيح بينها عند التعارض ضمن مسائل الاجتهاد؛ وذلك حتى يتم الاجتهاد وفق الضوابط الشرعية والأصول المرعية. فالأدلة يقدم الجلي منها على الخفي، والموجب للعلم على الموجب للظن،
(1) "إرشاد الفحول"للشوكاني (2/ 308) .
(2) "إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد"للأمير الصنعاني ص (130،129) .