الصفحة 55 من 71

الثاني: أن هذه الشريعة محددة المعالم بينة السمات لها ضوابطها، ولها حرمتها، فلا يجترئ مجترئ على تعدي حدودها وتغيير معالمها، و إلا لما استطاع المجتهدون أن يجدوا ما يرجعون إليه ويحتجون به. وعلاقة الاجتهاد بالتجديد واضحة، فهو ميدانه الأرحب، ومجاله الممتد عبر التاريخ، إلا أنّ فئامًا من الناس قد تسلطوا على عقول العامة بدعوى فتح باب الاجتهاد وضرورة التجديد، والتحرر من الضوابط والقيود، والتفلتّ من تحصيل شروط المجتهد، وإباحة النظر بل واستنباط الحكم لكل أحد، وأن الدين ليس حكرًا على رجال بعينهم رافعين شعار"هم رجال ونحن رجال"جاعلين من الشريعة كلأً مباحًا لكل راتع، دون أدنى ضمير ولا وازع، وغير خافٍ ما في هذه الدعوة من خلط ومغالطة في سبيل الوصول إلى هدم الدين و إشاعة التحلل من أحكامه. ولكي يكون هذا المجتهد مجددًا في عصره لما درس من معالم الشريعة، فينبغي عليه أن يتحلى بشروط تؤهله لهذا المنصب العظيم، وهذه الشروط يمكن أن تستنبط من خلال تعريف التجديد بمفهومه الشرعي، ومن خلال أقوال العلماء الأولين عن المجدد وما يلزمه من مؤهلات ليقوم بعملية التجديد بمفهومه الصحيح. ومن أهم تلك الشروط ما يلي:

أولًا: أن يكون المجدد صحيح المعتقد سليم الاتباع:

واشتراط ذلك من الأهمية بمكان؛ لأن من أهم محاور التجديد، وأبرز مهمات المجدد، تصحيح الانحرافات العقدية، والمنهجية، ومحاربة البدع العملية والسلوكية، ولا يتأتى ذلك إلا بكونه من أهل السنة والجماعة المتبعين لسبيل المؤمنين المقتدين بالسلف رضوان الله عليهم، فلا يعد علماء الفرق المبتدعة من المجددين بحال مهما حازوا من العلوم والفنون، وإن اشتهروا غاية الاشتهار؛ إذ كيف يعدون من المجددين للدين وهم قائمون على هدمه بمعاول البدعة؟ فالمجدِّد للدين لا بد أن يكون ناصرًا للسنة، قامعًا للبدعة [1] . يقول السيوطي عن المجدد:

يشار بالعلم إلى مقامه ... وينصر السنة في كلامه [2]

وإذا فتشت تجد أكثر أهل التجديد العصراني يجددون منهج علماء المبتدعة كالمعتزلة والرافضة [3] ويحيون ما مات من بدعهم ومعتقداتهم الضالة، أو ينحون بالتجديد منهج الفرق والمذاهب التغريبية المعاصرة.

(1) "عون المعبود"العظيم أبادي (11/ 391) .

(2) المصدر السابق (11/ 394) .

(3) الرافضة: كل من تبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ومن تبرأ من الصحابة رضوان الله عليهم، وسموا بذلك لأنهم رفضوا زيد بن الحسين عندما رفض أن يسب الشيخين ومنعهم من ذلك. انظر (3/ 356،408) مجموع فتاوى ابن تيمية، و (1/ 155) الملل والنحل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت