الصفحة 54 من 71

لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك" [1] . وترجم الإمام البخاري لهذا المعنى في صحيحه، في كتاب الاعتصام بقوله: (باب قول النبي:"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق"وهم أهل العلم) . ونظرًا لهذه المكانة الكريمة للمجتهدين فإنه يتعين على من يريد أن يتبوأها أن يجتهد في تحصيل الصفات والشروط التي تؤهله لهذا المنصب العظيم الذي يصير به مستنبطًا للأحكام الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله - وموقعًا عن رب العالمين، ونافذًا أمره في الأمة بمنشور الخلافة عن النبي -."

ومن أبرز شروط المجتهد: أن تكون العربية ملكة له بحيث يدرك سعة لسان العرب، ويفهم خطابه ولا يجهله، فإن الناظر الفاقد لهذه الملكة لا يفهم معاني الخطاب ويختلط عليه العام والخاص، والمطلق والمقيد، ويفقد مع ذلك الضوابط التي يتحصن بها في الاستدلال؛ فيحل الحرام، ويحرم الحلال، ويضيق الواسع، ويقول على الله بغير علم ويضطرب في فهم الشريعة، ويقع في سوء جهله، ويوقع من تابعه على ذلك. ومن أهم شروطه كذلك: أن يكون محيطًا بمدارك الشرع، متمكنًا من استثارة الظن بالنظر فيها، وتقديم ما يجب تقديمه وتأخير ما يجب تأخيره [2] ، وإحاطته بمدارك الشرع ومقاصد الشارع هي التي تؤهله لدرجة الاجتهاد. يقول الإمام السبكي [3] واصفًا المجتهد بأنه:"مَن هذه العلوم ملكة له وأحاط بمعظم قواعد الشرع، ومارسها بحيث يكتسب قوة يفهم بها مقصود الشارع" [4] . والوسيلة التي يكتسب بها قوة يفهم بها مقصود الشارع هي جملة معارف، كمعرفة الكتاب والسنة، وأصول الفقه، ومواضع الإجماع، واستعمال القياس، والناسخ والمنسوخ، ونحوها من علوم الآلة.

وظاهر بعد هذا البيان أمران:

الأول: أن مرتبة الاجتهاد لا يكفي فيها تحصيل بعض العلوم دون التمرس فيها حتى يصير الاستنباط ملكة للمجتهد.

(1) أخرجه البخاري في كتاب المناقب برقم (3641) .

(2) "المستصفى"للغزالي (2/ 350) .

(3) هو عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، أبو نصر، تاج الدين: المؤرخ الباحث. ولد في القاهرة سنة 727هـ، وانتقل إلى دمشق مع والده، فسكنها وتوفي بها سنة 771هـ. كان طلق اللسان قوي الحجة. انتهى إليه قضاء الشام. من مصنفاته:"رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب"، و"الإبهاج في شرح المنهاج"، و"طبقات الشافعية الكبرى والوسطى والصغرى"، و"جمع الجوامع في أصول الفقه". ينظر:"الدرر الكامنة"لابن حجر (2/ 425) ، و"البدر الطالع"للشوكاني (1/ 410) .

(4) "حاشية البناني على جمع الجوامع" (2/ 383) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت