فهرس الكتاب
المبحث الثالث: التجديد في باب الاجتهاد
وفيه مطلبان: المطلب الأول: شروط المجتهد والمجدد: الاجتهاد لغةً: بذل الوسع واستفراغ الطاقة، وهو افتعال من الجهد والطاقة [1] ، واجتهد في الأمر أي بذل وسعه وطاقته في طلبه ليبلغ مجهوده وليصل إلى نهايته، سواءًا كان هذا الأمر حسيًا أم معنويًا، ويستعمل فيما فيه مشقة وكلفة فقط فلا يقال اجتهد في حمل قلم أو كتابة سطر مما ليس فيه مشقة [2] .
واصطلاحًا: استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية [3] .
وهو بهذا المعنى يعتبر الأداة العملية لإبراز شمول الشريعة، وتعميم حكم النص، واستنباط الأحكام للمسائل التي لم يرد بخصوصها نص شرعي. وقد ذكر الإمام الشاطبي كلامًا نفيسًا في منزلة المجتهد ومكانته في الإسلام، فقال -رحمه الله-:"إنّه قائم في الأمة مقام النبي - بجملة أمور منها: الوراثة في علم الشريعة بوجه عام، ومنها إبلاغها للناس، وتعليمها الجاهل بها، والإنذار بها كذلك، ومنها بذل الوسع في استنباط الأحكام في مواطن الاستنباط المعروفة" [4] . فالمجتهد كاشف عن حكم الشرع ومستنبط له، وإذا كان مظهرًا ومبينًا الحكم الشرعي بحسب نظره واجتهاده فيجب اتباعه، والعمل بما قاله، وهذا هو معنى الخلافة لرسول الله - على التحقيق، وقد سمّى الله - تعالى - المجتهدين: - أُولِي الْأَمْرِ - (النساء: من الآية83) وقرن طاعتهم مع طاعته - جل شأنه - وطاعة نبيه - فقال - عز وجل: - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْر - (النساء: من الآية59) والأدلة على هذا المعنى كثيرة [5] . ولأجل ذلك كان وجود العلماء ضرورة لتحقيق شمول الشريعة لواقع الناس، بل إنّ وجودهم أشد ضرورة من وجود علماء في المجالات الحياتية، والتي تتعلق بمصالح الناس الصحية والعمرانية وغيرها، فبفقد علماء الشريعة المجتهدين يصبح الناس سدى بغير آمر ولا ناه، ولا واعظ ولا معلم، ولا حاكم بالشرع، ولذلك منَّ الله على عباده فجعل من هذه الأمة طائفة قائمة بأمر الله، كما جاء في الحديث الذي يرويه معاوية - قال: سمعت النبي - يقول:"لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله"
(1) ينظر:"لسان العرب" (3/ 135،133) ،"معجم مقاييس اللغة" (1/ 487،486) ،"القاموس المحيط"ص (35) مادة"جهد".
(2) ينظر:"تاج العروس" (2/ 329) .
(3) "نهاية السول"للبيضاوي (4/ 524) ، و"نفائس الأصول في شرح المحصول"للقرافي (4/ 513) ، و"روضة الناظر"لابن قدامة (3/ 959) .
(4) "الموافقات" (5/ 253) .
(5) ينظر:"الموافقات" (5/ 257،253) .