الصفحة 52 من 71

وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِم - (الحج: من الآية18) ، فادعوا التعارض بين العقل والنقل، ثم زادوا فأوحلوا وقدموا العقل على النقل، وما أقبحه من صنيع، يخاصمون ربهم بعطيته التي وهبها لهم. وحقيقة الأمر: أنه لا تعارض بين النقل والعقل، يقول ابن تيمية:"الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الرسل، وإن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه" [1] . ويقول - رحمه الله-:"ولهذا لا يوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل و رأي وقياس ولا بذوق ووجد و مكاشفة، ولا قال قط: قد تعارض في هذا العقل و النقل، فضلا عن أن يقول: فيجب تقديم العقل" [2] .

وهكذا يتبين لنا أنَّ من أصول التجديد الشرعي أن يكون شرع الله هو الحاكم بإطلاق، وهو المعيار لمعرفة الحق من الباطل، والخطأ من الصواب. كما يتبين لنا أيضا أنَّ كل الدعوات التي حاكمت نصوص الشريعة إلى أهواء البشر وعقولهم تحت شعار التجديد و تقديس العقل هي دعوات ضالة. يقول شارح الطحاوية [3] :"وكل من قال برأيه وذوقه وسياسته مع وجود النص، أو عارض النص بالمعقول فقد ضاهى إبليس حيث لم يسلم لأمر ربه بل قال: - أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ - (لأعراف: من الآية12) " [4] . وليس السبب في انحراف هذه الدعوات هو السعي إلى التقدم كما يزعم أصحابه، و إنما السبب هو عبادة العقل الإنساني من دون الله، وليس لهذه العبادة من فائدة عند هؤلاء إلا إبعاد الحياة الدنيا عن الدين وإخضاعها لأحكام العقل يشرع لها ويبدئ و يعيد. وهذه العبادة وان كانت للعقل في بداية الأمر، لكنها تنصرف إلى عبادة طائفة خاصة تزعم أن لديها القدرة العقلية لسن الشرائع والأحكام التي تحكم حياة البشر في الدماء، والأموال والأعراض، وسائر شؤون الإنسان [5] .

(1) ينظر:"درء تعارض العقل والنقل"لابن تيمية (1/ 148) ، و"مجموع الفتاوى" (3/ 338) .

(2) المصدر السابق (13/ 28) .

(3) هو الإمام العلامة صدر الدين أبو الحسن علي بن علاء الدين علي بن محمد بن أبي العز الحنفي الأذرعي الصالحي الدمشقي، ولد سنة 731هـ في أسرة عريقة في العلم والسيادة، تولى التدريس وكان عمره إذ ذاك لايتجاوز سبعة عشر عامًا، عمل قاضيًا بدمشق ثم بالديار المصرية، توفي سنة 792هـ، من مؤلفاته:"شرح الطحاوية"،"الإتباع". ينظر:"البداية والنهاية"لابن كثير (14/ 106) ، و"الدرر الكامنة" (14/ 49) ، و"شذرات الذهب" (6/ 58) .

(4) "شرح العقيدة الطحاوية"لابن أبي العز ص (203) .

(5) ينظر:"الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية"للدكتور عابد بن محمد السفياني ص (299) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت