الصفحة 51 من 71

وساءت مصيرا" [1] . والعقل يقضي بأن كل من كان بالمتبوع ألصق كان بأقواله وأحواله ومراده أحذق وأعرف من غيره ممن لم يشاركه في هذه الخصلة ومعلوم أن أسعد الناس بهذه المعرفة هم أصحاب رسول الله - وحواريوه الذين صحبوه، وشاهدوا التنزيل، وعاينوا الوقائع وعرفوا التأويل وهم أصحاب اللسان العربي الأصيل الذي نزل به القرآن والسنة وهم الترجمان العملي لشرع الله، والصورة الحية الناطقة لأحكام الإسلام، فقهوا عن رسول الله - ونهلوا من نبع النبوة روح هذا الدين وهداه. يقول ابن تيمية:"يجب أن يعلم أن النبي - بين لأصحابه معاني القرآن كما بينه لهم ألفاظه، فقوله تعالى: - لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ - (النحل: من الآية44) يتناول هذا وهذا" [2] . ويقول الشاطبي:"فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به، فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل" [3] . نخلص من هذا كله إلى أن من أهم شروط التجديد الصحيح التزام فهم السلف لنصوص الكتاب والسنة، وعدم الحيدة عنه، وكل تجديد يتجاوز فهم السلف أو يخالف إجماعاتهم القولية أو العملية أو التقريرية فهو تجديد غير شرعي بل باطل، مردود على صاحبه."

المطلب الثالث: التجديد والعقل: لقد جعل الإسلام العقل أداة للفهم و مناطًا للتكليف، وأمر بحفظه وحرّم كل ما يفسده أو يضرّ به، ومدح الله في كتابه ذوي العقول و الألباب فقال: - إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ - (الرعد: من الآية19) ، وذم الكفار لتعطيلهم للعقل فقال - عز وجل: - وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ - (الملك:10) . إلا أنّ الله جعل للعقول في إدراكها حدًا تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبيلا إلى الإدراك في كل مطلوب، ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري -تعالى - في إدراك جميع ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فعلم الله لا يتناهى، ومعلومات العبد متناهية، والمتناهي لا يساوي مالا يتناهى" [4] . ومقتضى ذلك ألا يجعل العقل حاكما بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع، بل الواجب عليه أن يقدم ما حقه التقديم وهو الشرع، ويؤخر ما حقه التأخير وهو نظر العقل لأنه لا يصح تقديم الناقص حاكما على الكامل؛ لأنه خلاف المعقول والمنقول بل ضدَّ القضية هو الموافق للأدلة فلا معدل عنه [5] . إلا أن أهل التجديد المنحرف لم يقنعوا بتلك المكانة السامية التي جعلها الشرع للعقل، فرفعوه فوق مرتبته ليكرموه - بزعمهم - فأزروا به وأهانوه، -"

(1) أخرجه اللالكائي، في"شرح السنة" (1/ 94) أثر رقم 134، والآجري في"الشريعة"ص (48) . وابن عبد البر في"جامع بيان العلم وفضله" (2/ 228) .

(2) "مقدمة في أصول التفسير"لابن تيمية ص (18) .

(3) "الموافقات" (3/ 77) .

(4) "الاعتصام"الشاطبي (2/ 318) .

(5) المصدر السابق (2/ 326) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت