فهرس الكتاب
المدينة بقوله تعالى: - يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ - [الأحزاب آية 59] ، وذلك حتى يميز الشبّان بين المحصنات وغير المحصنات [1] .
ويقول أحدهم:"من الفقه أيضًا ما ينبغي أن تطوى صفحته بعد، إذ لم يعد له محل أو مكان .... كأحكام الرقيق والعتق" [2] .
ويحمل دعاة التجديد العصراني حملة نكراء على قاعدة"العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"مستنكرين لها، فيقول قائلهم:"إن قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إنما صاغها الفقه الإسلامي، وتبناها في عصور الانحطاط العقلي، وأن هذه القاعدة خاطئة، وتؤدي إلى تحريف آيات القرآن، وتنزيلها على غير ما أراد مُنزلها" [3] ، ويقول آخر:"إن علماء الأصول لم يتفقوا على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فما كان لفظه عامًّا لا يعني أن حكمه عامٌ أيضًا" [4] .
وما ذهب إليه هؤلاء العصرانيون مذهب مرجوح مخالف لما عليه جمهور علماء الأمة، فقد حكى الإمام الشوكاني الخلاف في المسألة، وقرر أن الحق فيها ما صار إليه الجمهور، وهو أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فقال:"وهو المذهب الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة، لأن التعبد للعباد إنّما هو باللفظ الوارد عن الشارع، وهو عام، ووروده على سؤال خاص لا يصلح قرينة لقصره على ذلك السبب، ومن ادعى أنه يصلح لذلك فليأت بدليل تقوم به الحجة، ولم يأت أحدٌ من القائلين بالقصر على السبب بشيء يصلح لذلك" [5] .
وللشيخ الشنقيطي [6] - رحمه الله - تحرير نفيس في المسألة، فقال:"إن العام الوارد على سبب خاص، له ثلاث حالات:-"
الأولى: أن يقترن بما يدل على العموم، فيعم إجماعًا كقوله تعالى: - وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ - [المائدة:38] ، لأن سبب نزولها؛ المخزومية التي قطع النبي - يدها، والإتيان بلفظ السارق الذكر يدل على التعميم.
الثانية: أن يقترن بما يدل على التخصيص .. فيخص إجماعًا كقوله تعالى: - خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ - [الأحزاب:50] .
والثالثة: ألا تقترن بدليل التعميم ولا التخصيص .. والحق فيها أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيعم حكم آية اللعان، وآية الظهار، وآية الفدية، وآية - خالصة لك من دون المؤمنين - [الأحزاب:50] ، وهكذا مع أنها كلها نازلة في أشخاص معينين [7] [8] .
المطلب الثاني: التجديد وفهم النصوص: ترتفع هنا وهناك دعوات تطالب بإعادة قراءة القرآن الكريم والسنة النبوية قراءة معاصرة، وفهمهما فهمًا جديدًا بمنأى عن فهم من نزل فيهم القرآن و السنة، متجاوزة الإجماعات القولية والعملية التي تمّت في الصدر الأول للإسلام، ومعتبرة الخلافة الراشدة وأعمال الصحابة من قبيل التجربة غير الملزمة لأجيال المسلمين المتعاقبة بشيء، بل يؤخذ منها ويترك بحسب ما تقتضيه مصلحة المسلمين في كل زمان ومكان، ويهدفون من دعواتهم هذه أن يفتحوا الباب واسعا لقبول النظم الغربية بكل ما فيها من مناقضة لأحكام الإسلام [9] ، ولاشك في ضلال تلك الدعوات وبطلانها نقلًا وعقلًا. ولقد تكاثرت أقوال العلماء في الحث على التمسك بمنهج الصحابة وتابعيهم بل وقع الإجماع على أنّ:"خير قرون هذه الأمة في الأعمال والأقوال والاعتقاد وغيرها من كل فضيلة أن خيرها القرن الأول ثم الذين يلونهم" [10] . يقول ابن مسعود:"من كان متأسيا فليتأس بأصحاب محمد -؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، قوم اختارهم الله لصحبة بنيه - وإقامة دينه فاعرفوا فضلهم، واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم" [11] . وقال عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه:"سن رسول الله - وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله - عز وجل - واستكمال لطاعته، وقوة في دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في رأي من خالفها، فمن اقتدى بما سنوا اهتدى، ومن استبصر بها بصر، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله - عز وجل - ما تولى وأصلاه جهنم"
(1) أمين، حسين، دليل المسلم الحزين ص (132) .
(2) المصدر نفسه ص (189) .
(3) السفير 8/ 5/1997م، مقال:"أفكار من أجل تحديث النظرة إلى الإسلام"محمد سعيد عشماوي ص (21) .
(4) الغنوشي، الحريات العامة في الإسلام ص (129) .
(5) الشوكاني، إرشاد الفحول ص (118) .
(6) هو محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر بن محمد بن أحمد نوح اليعقوبي الجكني، ولد في موريتانيا سنة 1325هـ، درّس في المسجد النبوي والمعاهد والكليات بالرياض، ثم بالجامعة الإسلامية، وظل ينشر العلم حتى توفي سنة 1393هـ، من مؤلفاته:"أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن"، و"منع جواز المجاز عن المنزل للتعبد والإعجاز"، و"آداب البحث والمناظرة"، و"مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر"، و"نثر الورود على مراقي السعود". ينظر:"نثر الورود على مراقي السعود"تقديم الدكتور محمد ولد سيدي ولد حبيب الشنقيطي (1/ 17 - 22) ، و"أصول الفقه: تاريخه ورجاله"للدكتور شعبان إسماعيل ص (644) .
(7) الشنقيطي، محمد الأمين، مذكرة في أصول الفقه، ص (250 - 251) (بتصرف يسير) .
(8) "التجديد في الفكر الإسلامي"لعدنان محمد أمامة ص (440 - 443) .
(9) المصدر نفسه، ص (259 - 263) .
(10) "مجموع الفتاوى"لابن تيمية (4/ 157، 158) .
(11) "جامع بيان العلم وفضله"لابن عبد البر (2/ 119) .