فهرس الكتاب
بعد ذكر مجالات التجديد، وما يسوغ فيه وما لا يسوغ، يتبين لنا أن الناس في التجديد طرفان ووسط، أي بين الإفراط والتفريط، فالأول يرفض التجديد جملة وتفصيلا، والآخر يتوسع فيه بلا ضوابط شرعية ولا حدود مرعية، ويتخلص القول في بيان مناهج الناس في التجديد الأصولي من خلال منهجين اثنين: مشروع بل منشود، وممنوع مرفوض، وإليك توضيح القول في ذلك في هذين المبحثين.
المبحث الأول: المنهج المشروع (المنشود)
لا يخفى أن من أهم الأسباب التي أدت إلى جمود علم أصول الفقه هو القول بسد باب الاجتهاد، وهذا القول يتضمن الحكم بالضرورة ببطلان المسوغ الذي قام لأجله علم الأصول من تهيئة مادة علمية من شأنها أن تؤهل من يتحقق بها لاستنباط الأحكام الشرعية على نهج سديد، وعليه فلا بد من توجيه علم الأصول وجهة عملية ليكون طريقًا للاجتهاد، وتضمينه كل ما يعين على ذلك، و تنقيته من كل ما يعوق عن تحصيل هذا الغرض.
ولا يتم تحقيق تلك الغاية - وهي تيسير الاجتهاد - إلا بمراعاة منهج السلف، إذ قد اختصوا - رضوان الله عليهم - بالتسهيل والتيسير في علمهم مع جودة التحقيق، والسلامة من التعقيدات الشكلية التي سدّت على غيرهم مسالك الاستنباط الصحيح.
ومن شأن هذا التجديد المنهجي العودة بعلم أصول الفقه إلى تحقيق غايته المنشودة وضالته المفقودة، لكي ينهض بعلم الفقه، ويقضي على التعصب المذهبي والتقليد الذميم.
كما أن فتح باب الاجتهاد بضوابطه يسد باب الإفساد الذي ظهر في الأعصار المتأخرة على يد بعض ذوي الميول الغربية ممن صرفوا هممهم إلى بناء نهج عصري - تجديدي بزعمهم - لفهم الشريعة، وهو هدم لها ونسف لثوابتها.
وإليك -أخي القارئ اللبيب- أهم ملامح المنهج التجديدي المشروع، بل المقترح المنشود لعلم أصول الفقه:
أولًا: إحياء المبادئ الأساسية التي قام عليها علم أصول الفقه بمضمونه الصحيح لتكون الصُّوى والمنارات التي يهتدي بها الأصولي إلى غايته، والتي بدونها قد يحيد عن هدفه ومن أهم تلك المبادئ:
(أ) وجوب موافقة الكتاب والسنة في كل أصل أو قاعدة.
(ب) ضرورة الاستدلال لكل قاعدة أصولية.
(ج) لابد في الاستدلال أن يكون صحيحًا من حيث الثبوت وصحيحًا من حيث الدلالة.
(د) الاشتراط في كل قاعدة أصولية أن تسوق إلى تحصيل ثمرة العلم وغايته.
(هـ) وجوب النظر في المسائل والقواعد الأصولية نظرًا حرًا دائرًا مع الدليل دون تعصب أو تقليد.