الصفحة 60 من 71

ثانيًا: تنقية علم"أصول الفقه"من الموضوعات التي لا جدوى من دراستها بين طيات هذا العلم وأهم تلك الموضوعات ما يلي:

(أ) الموضوعات التي يكون النزاع فيها مع فرق خارجة عن الإسلام: فإن عرض آراء هؤلاء إحياء لمذاهبهم، ومن أمثلة ذلك: مسألة إفادة الخبر المتواتر للعلم عند علماء المسلمين، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الفرق الضالة كالسُمَنية [1] : وهي فرقة من عبدة الأصنام تقول بتناسخ الأرواح ويحصرون إدراك العلم على الحواس الخمس.

ومثلهم: فرقة البراهمة [2] ، وهي فرقة ضالة أيضًا لها معتقداتها الفاسدة، ومنها عدم جواز بعثة الرسول على الله - تعالى -، والعجيب أن علماء الأصول يوردون العديد من الأدلة التي تثبت صدق إفادة الخبر المتواتر للعلم، ثم يناقشون مذاهب هذه الفرق ويذكرون حججهم ويردون عليها، ونتيجة ذلك: ضئيلة أو معدومة [3] .

(ب) المسائل اللغوية المحضة: التي لا صلة مباشرة لها بعلم أصول الفقه، حيث إن عرضها في كتب الأصول لا يفي بدراستها وإنما محلها كتب اللغة، وإنما نقول لا صلة مباشرة لها؛ لأن دراسة اللغة و التبحر فيها من أهم سمات المجتهد، ولكن عرضها في كتب الأصول بذلك الشكل المختصر والمضغوط لا يفي بذلك المطلب.

ومن أمثلة تلك المسائل: حقيقة الوضع اللغوي وسببه، والموضوع والموضوع له، وواضع اللغة أو مبدأ اللغات، والطريق التي يعرف بها الوضع، وتعريف الاسم والفعل والحرف، والاشتقاق والترادف، ومعاني بعض الحروف والأدوات، والتي قال عنها الجويني [4] بعد بيانها:"فهذه جمل اعتاد الأصوليون الكلام عليها ... مع اعترافنا بأن حقائقها تتلقى من فن النحو" [5] .

(ج) المباحث والمسائل الكلامية: التي حشيت بها كتب الأصول تأثرًا بعلم الكلام ومن أهم تلك المباحث: المقدمات الكلامية، ويدخل فيها: بيان حدّ العقل والعلم والجهل والظن و الوهم، وانقسام العلم إلى ضروري ونظري، وحد الدليل، والفرق بينه وبين الأمارة، وحد النظر، وغير ذلك مما عني به علماء الكلام. ومن ذلك مباحث التحسين والتقبيح العقليين، ووجوب شكر المنعم عقلًا، وهل كان - متعبدًا بشرع أحد من الأنبياء؟ والإباحة هل هي تكليف؟ وأمر المعدوم، ونسخ الشيء قبل أن يعمل به، والخلاف في الواجب المخير والمحرم المخير، وتكليف الكفار بفروع الشريعة ووجوب النظر والاستدلال على كل مكلف، ونحو ذلك من المباحث الكلامية.

(د) مسائل الخلاف اللفظي: وحقيقة الخلاف اللفظي أنّه:"هو الاختلاف في اللفظ والعبارة والاصطلاح مع الاتفاق على المعنى و الحكم" [6] . والمقصود بتنقية علم الأصول من مسائل الخلاف اللفظي، أي من دراستها والتوسع في بحثها، لا من ذكرها وبيان المراد منها.

يقول الشاطبي:"كل مسألة في أصول الفقه ينبني عليها فقه، إلا أنه لا يحصل من الخلاف فيها خلاف في فرع من فروع الفقه فوضع الأدلة على صحة بعض المذاهب أو إبطاله عارية" [7] . ومن أمثلة تلك المسائل. هل أصول الفقه أدلته الدالة عليه أم العلم بتلك الأدلة؟ والاختلاف في تقسيم الحكم الشرعي، والاختلاف في إثبات الواجب الموسّع وعدمه، وأين يتعلق الإيجاب في الواجب المخير؟ وهل المندوب مأمور به؟ والخلاف في العزيمة والرخصة هل من الأحكام التكليفية أم الوضعية؟ وهل النسخ حقيقة في الإزالة مجاز في النقل؟ وهل النسخ بيان أم رفع؟ ونحو ذلك من المسائل [8] .

ثالثًا: ضم أبواب ومسائل قام الدليل على عظم نفعها وجدواها ومع ذلك خلت منها جلّ كتب الأصول، وإنما تناثرت في كتب مجددي علم الأصول ومن أهم الأمثلة على ما نحن بصدده: أبواب مقاصد الشريعة وقواعد التفاضل والأفضلية، فقد تناثرت تلك المباحث بين كتب الغزالي [9] ، والعز بن عبد السلام [10] ، وابن تيمية، وابن القيم، والشاطبي، وإن كان قد اكتمل بنيان المقاصد عند الشاطبي

(1) ينظر:"الفرق بين الفرق"للبغدادي، ص (253، 311، 346) .

(2) ينظر:"الملل والنحل"للشهرستاني (2/ 251 - 252) ،"موسوعة الأديان الميسرة" (2/ 995) .

(3) "أصول الفقه: نشأته وتطوره ومدارسه والدعوة إلى تجديده"للدكتور شعبان إسماعيل ص (105) .

(4) هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف محمد الجويني، أبو المعالي، الملقب بإمام الحرمين، ولد في جوين من نواحي نيسابور سنة 419هـ، كان أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي، توفي سنة 478هـ. له مؤلفات كثيرة منها:"البرهان في أصول الفقه"، و"الورقات"، و"غياث الأمم". ينظر:"وفيات الأعيان" (3/ 167) ، و"طبقات السبكي" (3/ 249) ، و"شذرات الذهب" (3/ 358) .

(5) "البرهان" (1/ 146) .

(6) "الخلاف اللفظي عند الأصوليين"للدكتور عبد الكريم النملة (1/ 17) .

(7) "الموافقات" (1/ 44) .

(8) ينظر تلك المسائل وغيرها: كتاب"الخلاف اللفظي عند الأصوليين"للدكتور عبد الكريم النملة.

(9) هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الإمام الجليل أبو حامد الغزالي حجّة الإسلام، ولد بطوس سنة خمسين وأربعمائة، وتوفي في مصر سنة 505هـ، له نحو مئتي مصنف منها:"إحياء علوم الدين"و"تهافت الفلاسفة"، و"الاقتصاد في الاعتقاد"، و"المستصفى من علم الأصول". ينظر:"وفيات الأعيان" (1/ 463) ، و"طبقات الشافعية"للسبكي (4/ 101) .

(10) هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، عز الدين، الملقب بسلطان العلماء: فقيه شافعي، بلغ رتبة الاجتهاد. ولد سنة 577هـ في دمشق ونشأ بها. توفي سنة 660هـ. من مصنفاته:"الفوائد"، و"القواعد الكبرى والصغرى"، و"مقاصد الرعاية". ينظر:"فوات الوفيات" (1/ 287) ، و"طبقات الشافعية الكبرى"للسبكي (5/ 80 - 107) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت