الصفحة 63 من 71

المبحث الثاني: المنهج الممنوع (المرفوض)

ظهرت فئة في هذا العصر، اتجهت في معنى التجديد وجهة غير التي عرفها المسلمون على مر العصور، انصبت دعوتها على تغيير أصول العلم الإسلامية - لاسيما علم أصول الفقه -؛ بغية مسايرة العصر الذي يعيشون فيه، وعابوا في مقالاتهم وأطروحاتهم اعتماد المسلمين على أحكام قال بها الأئمة الفقهاء الأقدمون، وزعموا أنها أحكام بليت وذهبت مع عصرهم، كما بلي أصحابها، وتذرعوا بدعوى التفريق بين تقديس النص، وتقديس فهمه، أو بعبارة أخرى بين طبيعة النص الإلهية، وطبيعة المفسرين البشرية، فتراث الفقهاء والأصوليين وغيرهم من علماء المسلمين إنما هو تراث بشر، قابل للنقد والتخطئة، وأنهم ليسوا معصومين، حتى ولو كان هذا الفهم للنصوص هو فهم الصحابة، ولا أدري بفهم من نقتدي بعدهم؟!

ومن ثَمَّ كان من المتعين إلقاء الضوء على ملامح تلك الدعوة الخطيرة، وأهمّ سماتها؛ حتى نستبين سبيلهم، ونسبر أغوار فكرهم، وهاك - أخي الكريم - بيان أهم تلك الملامح لهذا المنهج الممنوع المرفوض في التجديد:

أولًا: العمومية والإجمال في دعوتهم، ورفع الشعارات البراقة: كالتجديد، والتحرير، والتنوير، والتطوير، ومسايرة التقدم، وغيرها؛ لتخفي قدرًا كبيرًا من الضبابية، وعدم وضوح الرؤى وانعدام المضمون العلمي ومنهجية التفكير السديد.

ثانيًا: التهويل والتضخيم لمثالب شكلية، لا جدال في أهمية السعي لدرء وقوعها، كعلم الكلام الذي استشرى في كتابات الأصوليين، والافتراضات الجدلية غير الواقعية التي امتلأت بها كتبهم.

إلا أنها كلمة حقٍ يراد به باطل، ونقض هدام لا يراد به بناء، إذ اتخذوا تلك المثالب ذريعة للمطالبة بتغيير أصول الفقه غافلين أو متغافلين عن أصل العلم وجوهر مضمونه السلفي، والذي نادي بإحيائه المجددون على مر الأزمان والدهور.

ثالثًا: فتح باب الاجتهاد لمن لا يملك أدواته المقررة عند علماء الأصول والتحلل من شروط المجتهد، ولعل سبب ذلك أن هذه الدعوات غالبا تصدر من غير المتخصصين في علوم الشريعة، ولا صلة لهم بعلم الأصول.

رابعًا: سلوك سبيل المغالطة والتشويش على الحقيقة، وحسبك من أقوالهم ما يقال في حق كل قديم، فقهًا كان أو أصولًا، صحابةً كانوا أو أئمة، ومن أمثلة ذلك قول أحدهم:"ولئن كان فقهنا التقليدي قد عكف على هذه المسائل (أي مسائل تفسير النصوص) عكوفًا شديدًا؛ فإنما ذلك لأن الفقهاء ما كانوا يعالجون كثيرًا قضايا الحياة العامة، وإنما كانوا يجلسون مجالس العلم المعهودة!! ولذلك كانت"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت