الصفحة 64 من 71

الحياة تدور بعيدًا عنهم!! ولا يأتيهم إلا المستفتون من أصحاب الشأن الخاص في الحياة، يأتونهم أفذاذًا بقضايا فردية في أغلب الأمر.

فالنمط الأشهر من فقه الفقهاء المجتهدين كان فقه فتاوى فرعية، وقليلًا ما كانوا يكتبون الكتب المنهجية النظرية، بل كانت المحررات تدوينا للنظر الفقهي. حول قضايا أفراد طرحتها لهم ظروف الحياة من حيث هم أفراد. ولذلك اتجه معظم الفقه للمسائل المتعلقة بقضايا الشعائر والزواج والطلاق والآداب، حيث تتكثف النصوص، ولا تتسع لمجال الكثير من الخلافات الأصولية حول تفسير تلك النصوص" [1] ."

ولم يسلم الصحابة - رضي الله عنهم - من طغيان القلم وفكر صاحبه حيث قال:"ذلك أن الصحابة عاشوا عهدًا تضعف فيه وسائل الاتصال المادية بين الناس، ويسود فيه طغيان الفرد، وعصبيات الفكر" [2] .

وخطورة هذه المغالطات حينما تلقى على مسامع وعقول لم تُشرب بفقه الشرع، ولم تضطلع بعلومه؛ إذ أنها - أي تلك المغالطات - لا تزن جناح بعوضة عند أرباب العلم وشداته.

ولعل هذا هو السبب في أن الجهل وضعف العلوم الشرعية محمودٌ عند هؤلاء، حتى نطق به لسان أحدهم وقال:"ومن حسن حظنا ... أننا في بلد ضعيف التاريخ والثقافة الإسلامية الموروثة، وقد تبدو تلك لأول وهلة نقمة، ولعلها ببعض الوجوه نعمة!! إذ لا تقوم مقاومة شرسة لتقدم الإسلام المتجدد" [3] .

خامسًا: فتح باب الاجتهاد في الأصول والفروع على حدٍ سواء، ومسلكهم في هذا الخلط بين الدعوة إلى الاجتهاد وفتح بابه لمن يملكون أدواته، وبين تغيير القواعد الأصولية وتفريغها من محتواها، إذ أنها تشكل حجر عثرة في طريق دعوتهم العوجاء.

يقول أحدهم:"الاجتهاد الذي نحتاج إليه اليوم، ويحتاج إليه المسلمون ليس اجتهادًا في الفروع وحدها، وإنما هو اجتهاد في الأصول كذلك، وكم من مسألة تواجه المسلمين اليوم فإذا بحثوها وأعملوا الجهد طلبًا لحكم الإسلام فيها، أفضى بهم بحثهم إلى وقفة مع الأصول وليس ما تردده الكثرة الغالبة من المعاصرين من امتناع الاجتهاد في الأصول إلا التزامًا بما لا يلزم، وتقصيرًا في بذل الجهد بحثًا عن ما ينفع الناس، وما نقلته هذه الكثرة من كلام الإمام الشاطبي في كتاب"الموافقات"من أن"

(1) "تجديد أصول الفقه الإسلامي"لحسن الترابي ص (14) .

(2) "تجديد الفكر الإسلامي"لحسن الترابي ص (4) .

(3) "تجديد أصول الفقه"للترابي ص (44) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت