الصفحة 65 من 71

أصول الشريعة كلها قطعية، ومن ثم فلا يسوغ الاجتهاد في شأنها، يحتاج إلى وقفة تأمل ومراجعة" [1] ."

سادسًا: السعي في تجميد النصوص، وتعطيل الأحكام، وذلك يكون تارة باشتراط التواتر في النصوص ثبوتًا ودلالةً في مسائل الاعتقاد والحدود، وتارةً بقبول السنة العملية دون القولية، وتارةً بمحاصرة عموم النصوص ووقفها على أسباب نزولها وورودها، فالعبرة عندهم بخصوص السبب لا بعموم النص، وتارة بالقول بتاريخية الأحكام وارتباطها بالظروف القائمة في كل قرن، فهي تتبدل عندهم من عصر إلى عصر، فالأحكام عندهم نسبية مؤقتة، وليست مطلقة دائمة، هكذا زعموا.

وتارة أخرى باعتماد الفهم المقاصدي للإسلام، لابغرض فهم مراد الشارع، إنما بغرض تعطيل الأحكام وتجميد النصوص.

فبعد أن كانت تُراعى مقاصد الشريعة إبان استنباط الأحكام من النصوص، أي بغرض فهمها على الوجه الصحيح، أصبحت وسيلة لتعطيل دلالتها على الأحكام التفصيلية، فالثابت عندهم في التشريع مثلًا مبدأ العقوبة أو الجزاء، أما الأشكال التطبيقية لهذا المبدأ، فموكولة لكل عصر حسب أوضاعه و أعرافه و قيمه، فالعقوبات المنصوص عليها عندهم ليست مقصودة بأعيانها حرفيًا بل بغايتها من الردع الحاسم فكل ما أدى مؤداها يكون بمثابتها.

سابعًا: تضخيم دور المصالح والعلل والحكم التي انطوت عليها أحكام الشريعة، ليصلوا إلى نتيجة مفادها أن هذه الأحكام تتبدل وتتغير تبعًا لتبدل المصالح، ويدّعون أن هذا التبديل والنسخ حقٌ أعطته الشريعة للمجتهدين، وفي هذا الكلام ما لا يخفى من رمي الشريعة بالقصور، والعجز عن رعاية مصالح الناس، وكأنها ليست من العليم الخبير، الذي لا يخفى عليه شيء وهو السميع البصير [2] .

ولا أظن أحدًا يشك بعد هذا البيان في أن منهج أهل التجديد العصراني المقاصدي هذا ما هو إلا مروق من الدين، وتحلل من أحكامه باسم التجديد، والاجتهاد، والإصلاح، وهو في حقيقته دعوة تغريبية مغلفة باسم الإسلام، وتمهيد لهيمنة القوى العالمية الخفية، التي تدعو إلى وحدة الأديان، وإلغاء الفوارق بينها، إذ ما من دين ولا فلسفة في الأرض كلها إلا وتدعو إلى القيم العامة، والمثل العليا، والمقاصد الكبيرة، وتتبنى الأخلاق و الفضائل، وذلك في ضوء المفاهيم والقيم التي يؤمنون بها [3] .

(1) مقال في مجلة العربي العدد (222) ، سنة 1977م، بعنوان"مواجهة مع عناصر الجمود في الفكر الإسلامي المعاصر"، ص (18) ، لكاتبه: أحمد كمال أبو المجد، وانظر:"التجديد في الفكر الإسلامي"للدكتور: عدنان محمد أمامة، ص (431، 432) .

(2) ينظر:"التجديد و المجددون"لأبي الفضل عبد السلام عبد الكريم. ص (446، 447) .

(3) المصدر السابق ص (452) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت