العامة، بدل ونفقات القصر، كما أن جبايتها كانت تتم في أغلب الأحيان دون مراعاة قواعد العدالة والإنسانية (4) .
ثم أدى التطور في الفلسفات الاجتماعية والسياسية منذ القرن الثامن عشر الميلادي إلى تطوير مفهوم الضريبة، حيث أصلحت في مقابل ما تقدمها الدولة للأفراد من خدمات ولذلك كان البرلمان ينظر إلى تقدير ثمن الخدمات في مقابل الضريبة طبقًا لنظرية التعادل، ومن هنا تعددت الاتجاهات في تكييفها، فرأى البعض أنها تنبثق من فكرة العقد الاجتماعي التي نادى بها (جان جاك روسو) ، بل سماها البعض بالعقد الضريبي على أساس أن المواطن كما قال (مونتسكيو) يعطي جزءا من دخله للدولة في مقابل ضمانها للنظام والعدالة، وكيفها (ميرابوا) على أساس أن دفع الضريبة تعبير عن رضا مسبق من قبل المواطن للحصول على حماية السلطة لشخصه ولأمواله، بينما صورها بعض آخر بأنها عقد تأمين بين الدولة والمواطنين ضد الأخطار التي يتعرضون لها في مقابل سدادهم للضريبة، واعتبرها (ثيرس) بمثابة عقد الشركة، حيث يسهم كل من الدولة والمواطن في تحمل أعباء الحماية، واعتبرها (آدم سميث) بمثابة عقد إيجار يستأجر المواطن بمقتضاه ما تقدمه الدولة من خدمات مقابل ما يدفعه من ضرائب، كما اعتبرها (هوبز) و (لوك) بمثابة ثمن للسلام، بينما عرفتها مدرسة الطبيعيين في دستورها عام 1789م بأنها: دين عام على جميع المواطنين وثمن للمزايا التي يزودهم بها المجتمع (5) . لكن هذه النظرية تعرضت لنقد شديد أكثر من نظرية العقد الاجتماعي، لأن من المستحيل تقييم ما تقوم به الدولة من معاملات، كما أنه من المستبعد فكرة مقابلة ثمن التضحيات الضريبية بقيمة ما تقدمه الدولة من خدمات، إضافة إلى أن التزام الدولة بالحماية ليس منشؤه التزام المواطن بدفع الضريبة، فضلا عن أن في صبغ الضريبة بطابع الثمن مجافاة لظاهرة تفاوت أعباء الضريبة على الأفراد التي لا شك أنها لا تستقيم مع مبدأ وحدة الثمن (6) .
وحاولت الفلسفات السياسية حتى أوائل القرن العشرين أن تضفي على مفهوم الضريبة طابعًا حياديا يتثمل في إستعانة الدولة بها لتغطية النفقات اللازمة للقيام بمهامها المحدودة، غير أن هذا الطابع الحيادي لها لم يتحقق بسبب ما يتطلب من ضرورة توافر المساواة التامة في تطبيق الضريبة من ناحية، وانخفاض عبئها إلى أقصى حدود من ناحية أخرى، كما تنازع هذا المفهوم مبدأ وفرة الحصيلة التي يتطلب العمومية والشمول لجميع المواطنين، ومبدأ العدالة التي تقتضي مراعاة التفاوت بين مستويات الدخول من خلال فرض الضرائب التصاعدية على الدخول المرتفعة لتمويل الخدمات العامة التي يستفيد منها أصحاب الدخول المنخفضة (7) ، لكن العدالة في الضريبة قد ثار في تفسيرها اختلاف حيث فسرها البعض تفسيرا ضيقا يكمن في أنها المساواة في التضحية أو التوزيع العادل للأعباء الضريبية بين المواطنين، فقد فسرها (آدم سميث) بأنها المساواة في المقدرة التكليفية حيث يتناسب إسهام كل مكلف في النفقات العامة ومقدار يساره، بينما فسره الآخرون تفسيرا واسعا بحيث يشمل جميع جوانب الضريبة من تحصيلها إلى إنفاقها، ويتخطى النطاق التقليدي لها الذي ينحصر في مجرد تحقيق عادل للعبء الضريبي (8) .
وأما مفهوم الضريبة المعاصر (منذ بداية القرن العشرين) وبالذات منذ عام 1929م فيكمن في اعتبارها أحد المصادر الرئيسية للتمويل ووسيلة فعالة تمكن الدولة من التدخل في الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، وتوجيه النشاط الاقتصادي وجهة معينة (9) .
وبعد هذا العرض الموجز نرى أن معظم المعاصرين يكادون يتفقون على هذا التعريف الآتي للضريبة أو نحوه وهو: اقتطاع نقدي جبري نهائي يتحمله الممول ويقوم بدفعه بلا مقابل وفقا لمقدرته التكليفية مساهمة في الأعباء العامة، أو لتدخل السلطة لتحقيق أهداف معينة (10) .